Get Adobe Flash player

ليس جديداً على لبنان واللبنانيين حجم الاهتمام الدولي والإقليمي بما يجري في بلدهم، وهو الواقع على الحدود مع سورية الدولة الإقليمية الأهم في الجغرافيا السياسية للمنطقة من جهة، وعلى حدود فلسطين التي أقيم فيها الكيان الاستيطاني الأشدّ أهمية في حسابات الغرب لمفهوم المصالح الاستراتيجية وحمايتها. ولا بجديد على اللبنانيين اكتشاف توزّعهم الدائم بين معسكرات دولية وإقليمية تحاول كل منها فرض رؤيتها للمنطقة وتوازناتها وتبادل الأحلاف اللبنانية الداخلية مع الأحلاف الخارجية بعضاً من المكاسب والخسائر. وقد اعتاد اللبنانيون على رؤية هذا المشهد وتصالحوا معه واعتباره غير مخالف لمفهوم السيادة، وحصروا في مصطلحات السياسة الرائجة منذ تشكّل الكيان السياسي اللبناني بعد الاستقلال، تسجيل المواقف والإدانات بتحوّل هذا النوع من التموضع والتحالفات والتأثر والتأثير إلى صيغة مباشرة لإدارة خارجية للشؤون الداخلية اللبنانية

Read more: ماذا عن مفهوم الوصاية والنأي بالنفس مع طاعة وليّ الأمر؟: ناصر قنديل

تدرك الدبلوماسية بواقعية مفهوم موازين القوى وهوامش الحركة، وتتواضع في رسم سقوفها حتى تنمو معادلات القوة فترفعها تدريجاً، كما يقول سلوكها منذ بداية الحرب على سورية بقيادة أميركية، حيث كان سقف موسكو في البداية منع استعمال التفويض الدولي لتدخل عسكري غربي على الطريقة الليبية، وبقي الفيتو في مجلس الأمن الدولي شكل الحضور الأبرز في هذه الحرب، مع القبول سياسياً بسقوف مزعجة لسورية ومخالفة لحقيقة ما تشهده، كحال ما عرف باسم بيان جنيف الأول وما تضمنه من تركيز على بعد داخلي سوري ينتهي بتشكيل هيئة حكم انتقالية. وكانت موسكو واثقة بأن منع التدخل الأميركي العسكري المباشر سيتيح صمود الدولة السورية وبالتالي حدوث الاستعصاء الذي سيفتح باب السياسة الذي فتح لاحقاً فرصة التموضع العسكري الروسي المباشر في الحرب وصولاً لخوضها إلى جانب سورية وحليفيها إيران والمقاومة وتحقيق الانتصارات فيها

Read more: بين موسكو وواشنطن: تل أبيب وطهران... وبيونغ يانغ: ناصر قنديل

منذ تحرير حلب، كحدث بارز غيّر معادلات الحرب في سورية في بداية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تركّزت السياسة الأميركية ومعها حليفاها الأبرز الكيان السعودي وكيان الاحتلال، على إعاقة مسار التحرير، في ظلّ التسليم بالعجز عن فرض مسار معاكس باستعادة زمام المبادرة وخوض حرب تغيّر الجغرافيا على حساب الجيش العربي السوري وحلفائه مجدّداً. ورغم كلّ الزخم الإعلامي الذي منح للضربات الأميركية والإسرائيلية وما رافقها من جلبة دبلوماسية وضجيج إعلامي، لا يمكن تصنيفها استراتيجياً إلا كمحاولة مشاغبة على مسار واضح يتقدّم، وهو استعادة الجيش السوري بدعم كامل من الحلفاء للجغرافيا السورية

Read more: درعا... حتماً... وإدلب والرقة: ناصر قنديل

كشفت العنتريات الأميركية في الملف النووي لكوريا الشمالية هزال السياسة الخارجية والأمنية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تلاقى مستشار أمنها القومي جون بولتون ونائب الرئيس مايكل بنس، على تبشيرها بالخيار الليبي، واضطر رئيسها ترامب نفسه لنفي التشبيه وثم الإصرار على بقاء التفاوض رغم الإعلان الكوري عن التشكيك في جدواه. وعاد فأعلن إلغاء القمة مع الزعيم الكوري بسبب الصدّ والممانعة الكوريين، ليعود فيوسّط رئيس كوريا الجنوبية ويرسل وفداً إلى كوريا الشمالية يتبعه وصول وزير الخارجية مايك بومبيو لتقديم ضمانات رسمية طلبتها كوريا للإبقاء على القمة، ويعلن ترامب مجدداً أنه يتطلّع لعقد القمة ويعد كوريا بالمَنّ والسلوى

Read more: حكاية إيران وكوريا مع أميركا وأوروبا: الجغرافيا السياسية تغيّرت مع الحرب السورية: ناصر قنديل

قد يعيش بعض اللبنانيين عيد التحرير والمقاومة كعطلة إضافية عادية، لأنّ بلد الطوائف والمناطق ضرب الكثير من مقوّمات الحسّ الوطني، حتى كان الاحتلال خلال عقدين من عمر لبنان قضية تخصّ أهله الذين ذاقوا مرارته وذله وصنعوا من أبنائهم وبناتهم مقاومته، وكان الكثير من باقي اللبنانيين بين متفرّج ومحايد أو متبرّم مما يسمّيه المبالغة في رفض تسويات لا بدّ من قبولها في موازين ما يسمّيه الواقعية السياسية. ورغم فشل وَصْفَات التسويات في تأمين الانسحاب الإسرائيلي، وفوز المقاومة برهانها المعقود على دماء شهدائها، بقي مَن يقول قبيل التحرير إنّ وجود المقاومة يعقّد هذا الانسحاب، أما على مستوى الدولة فقد بدأت متآمرة مع الاحتلال حتى إسقاط اتفاق السابع عشر من أيار، وصارت محايدة حتى وصول العماد إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية، فرافقت المقاومة لسنتين من عهده. وهذا يعني أنّ الإجماع على المقاومة ما كان يوماً شرطاً للإنجاز، بل كان القبول به نهاية لقدرة الإنجاز، كما يعني أنّ إخضاع المقاومة لمنطق الدولة بالمطلق يعني موتها وسقوط كلّ إنجازها. فالمعادلات التي تصحّ بتطبيق منطقها بمفعول زمن مضى لا تصحّ لزمن آتٍ، والإجماع الوحيد المقبول هو الإجماع على مستقبل المقاومة بعد التحرير، أيّ اشتراط قبول أهلها بكلّ ما يخصّها، حيث لا قرار بدون رضاها، والعلاقة بينها وبين الدولة هي مساكنة ودية بين ضرورتين لبقاء الوطن وقوّته ومنعته على السياسيين اكتشاف معادلاته وصناعتها

Read more: معادلات المقاومة وصنّاعها وشركاؤها... في العيد: ناصر قنديل