Get Adobe Flash player

وسط الصخب الذي يتحوّل إلى نوع من المعزوفة الصماء تحت شعار، لا صوت يعلو فوق صوت الثورة، لا بدّ من مناقشة ما يجري بلغة العقل، وإشعال الضوء على الزوايا المظلمة، في توقيت سياسي واجتماعي يلاقي فيه برميل البارود عود الكبريت، ورؤية موقع ما يجري في الساحة السياسية قياساً بما يجري في الحراك الشعبي الذي تحول احتفالات غنائية يوم أمس، وغابت عنه حلقات النقاش التي يُفترض أن تنتشر في أنحاء الساحات، تتداول بالخيارات، وتشكل لجان التنسيق، ليبقى الحراك بلا قيادة وهدف واضح عرضة للتجاذب والتأويل، وربما التوظيف في التوقيت المناسب.

Read more: التعمية بالشعارات الكبيرة مصدر خطر: ناصر قنديل

الأكيد بالنسبة للذين لا مصالح لهم في قراءات محرّفة للواقع، أن الساعات الأولى من ليل أول أمس، حملت أول انتفاضة شعبية سلمية مدنية عابرة للطوائف والأحزاب في تاريخ لبنان، توحّد خلالها الشعب بوجه شعور بالاستهتار بأوجاعه، عبّر عنه ما بدا أنه تمرير لقرار الضريبة على الواتساب، بين مَن اقترح ومَن وافق ومَن اعترض وتحفّظ واكتفى بذلك، أو مَن أنكر أن هناك قراراً وصمتاً على ترويج القرار حتى منتصف الليل.

Read more: لبنان على مفترق... والقلق يتفوّق على الأمل: ناصر قنديل

قد يكون وراء الحرائق المتنقلة التي اجتاحت لبنان وسورية يد افتعلتها، لكنها ستكون حكماً ذات طابع أكبر من لعبة الطوائف وتقسيماتها التي أغوت أحد النواب لشعبوية سطحية مؤذية في التعامل مع قضية بهذه الخطورة بهذا الاستسهال. فبدلاً من المساعدة بإطفاء حريق أشعل حرائق، ولا يمكن إذا تعلم بعض اللبنانيين التطلع شرقاً وشمالاً حصرها بلبنان. فالحرائق هي نفسها بتشكيلات اللهب وألوانه ونمط الانتقال، والمساحات التي شملتها، من ريف اللاذقية وريف طرطوس وريف حماة وريف حمص والغابات الجميلة التي تشوّه وجهها بالحرائق، إلى جبال لبنان الجميلة التي تفحم بعضها، وفقد الكثير منها رونقه بندوب لن تشفى سريعاً. وإن كانت الحرائق فعل يد بشرية فهي حكماً إسرائيلية، ربما تكون طائرات مسيّرة رمت للتسبّب بها أجساماً مشبوهة على هذا النطاق الواسع مستفيدة من الرياح التي صاحبت اليومين الماضيين. وهذا أمر متروك للتحقيق الذي تجريه قيادة الجيش، لكن علينا أن نعترف بأن القضية ليست هنا فقط.

Read more: دائماً نحن متفاجئون... والحق عالطليان!: ناصر قنديل

ليس مهماً التدقيق في كيف كان الأمر تداولاً وكيف صار قراراً. فالضريبة على الواتساب أشعلت الشارع بمعزل عن هذا التفصيل لسبب بسيط، هو أن اللبنانيين باتوا يعرفون ما يُسمّى بجس النبض بتمرير الجرعات. فالتداول يصير قراراً، إذا مر بلا رد فعل بحجم رادع. وهذا ما يفعله الشارع، والحديث عن تسييس محض كذب. فالكل ممن في عالم السياسة يخشون انفلات الشارع، حتى من يتفهّم منهم أوجاع الناس ويحاول تمثيلها، والحقيقة التي نعرفها من الشارع هي التنوّع واللاحزبية والغياب الكامل لدعوة من جهة بعينها، إلا من باب الاستلحاق بعد رؤية موجة الغضب العارم.

Read more: عندما تكون الحكومة مسؤولة... تقيل الوزير أو يستقيل: ناصر قنديل

بعد الكلام الهام والمنطقي الذي قاله في اجتماع وزراء الخارجية العرب عن لا جدوى التنديد بالغزو التركي للأراضي السورية ما لم يقترن، باستعادة سورية مقعدها في الجامعة العربية، وبالتالي استعادة العرب قدرتهم على التأثير في مجريات الأحداث السورية، وبعد الكلام النوعي الذي قاله عن عزمه الذهاب إلى سورية لفتح ملف عودة النازحين رسمياً مع الدولة السورية ومناقشة سبل استفادة لبنان من فتح المعابر الحدودية لسورية مع الأردن والعراق، لم يكن وزير الخارجية جبران باسيل مضطراً لتشبيه عودة النازحين السوريين بما أسماه إعادة الجيش السوري إلى بلاده، لينكأ جراحات مواضيع خلافية كانت عنوان الانقسام بين فريقي 8 و14 آذار. ويعلم الوزير باسيل أن عنوان تظاهرة 8 آذار التي دعا إليها الأمين العام لحزب الله وتكلم مخاطباً حشودها، كان «شكراً سورية»، ولا كان الوزير باسيل مضطراً لتصوير عودة القوات السورية إلى ديارها إعادة، لتصير عودة النازحين إعادة، وما في الكلمة من مضامين عدائيّة بلا مبرر، ومدخلا لشحن تعبوي بلغة مؤذية لا تنسجم مع خطابه في الجامعة العربية ولا مع عزمه التوجّه نحو سورية بلغة الشقيق الهادف لرسم خريطة طريق واحدة لمشاكل مشتركة بين البلدين الشقيقين.

Read more: حملة القوات والاشتراكي لا تستهدف باسيل... بل الحريري: ناصر قنديل