Get Adobe Flash player

لم تكن صدفة أن يتصدّر مصطلح معركة الاستقلال خطاب رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب للبنانيين، فالقرار الحكومي بتعليق سندات الدين، ليس قراراً نابعاً عن العجز واليأس، والدليل بسيط، وهو أن الوصفة الموازية التي يزينها الكثيرون الذين كانوا شركاء في حرب الاستتباع المالي، حاضرة، وهي الخضوع لبرنامج صندوق النقد الدولي، الذي لم يرفض طلب لبنان كما أحبّ وزير المالية المصرية ان يقول ليتباهى بالخضوع لوصفاته، لأن لبنان رفض التقدّم بمثل هذا الطلب للصندوق أساساً. والمعركة السياسيّة الداخلية الدائرة عنوانها الضغط لتقديم مثل هذا الطلب، الذي يربط منح الأموال اللازمة لسداد المستحقات في مواعيدها برزمة إجراءات تختصر سياسة الاستتباع وتتكفل بإفقار اللبنانيين وتجويعهم، ولذلك قررت الحكومة التمرّد عليها، وأعلنت معركة الاسقلال الوطني المالي، داعية اللبنانيين إلى خوض غمارها مع الحكومة.

Read more: حرب الاستقلال الماليّ: ناصر قنديل

خلال عشر سنوات عرفت المنطقة التي يسمّيها الأميركيون بالشرق الأوسط الكبير تحوّلات كبرى، كانت الحروب هي العنصر الفاصل فيها، وشكلت الحرب على سورية والحرب على اليمن الاختبارات الأهم لموازين القوى، حيث المشروع الأميركي الهادف لفرض الهيمنة على المنطقة، عبر إضعاف وترويض محور المقاومة وقاعدته إيران، وإبعاد روسيا والصين عن مياه البحر الأبيض المتوسط، يضع في حسابه بعد حربي أفغانستان والعراق الفاشلتين، وحروب «إسرائيل» الفاشلة على لبنان وغزة، أن حروب الوكالة التي سيتولاها حلفاؤه، هي التي ستصنع منهم شركاء في النظام الإقليمي الجديد، وكان واضحاً خلال السنوات التي مضت أن تركيا والسعودية قد شكلتا ميمنة الأميركيّ وميسرته، سواء بالتعاون أو بالتناوب أو بالتنافس، لكن كان واضحاً أيضاً أن البحر المتوسط مهمة تركية، والخليج والبحر الأحمر مهمة سعودية إماراتية. وهذا يعني خوض حرب سورية بقيادة تركية، وحرب اليمن بقيادة سعودية، فيما يواصل الأميركي والإسرائيلي التدخل والمناورة العسكرية والسياسية حسب الحاجة، لكن من دون التورط في مواجهات مفتوحة.

Read more: الجغرافيا السياسيّة الجديدة: القاهرة وباريس بدلاً من أنقرة والرياض: ناصر قنديل

بمثل ما حال الزمن الخاطف لمعركة سراقب التي خاضها تحالف الجيش السوري وقوى المقاومة، وفي طليعتها حزب الله، دون احتلالها المساحة التي تستحق في الدرس والتحقيق والمتابعة واستخلاص العبر، شكل هذا الزمن الخاطف السبب في اهتمام خاص منحته مراكز الدراسات العسكرية والأمنية في كيان الاحتلال لهذه المعركة. فالمعركة رسمت توازنات جديدة على الأرض السورية، وفي أشد نقاطها حساسيّة، حيث يجتمع مصير أربعة رهانات كبرى، رهان أميركي على نجاح الوكالة الممنوحة لتركيا بوقف تقدم العملية العسكرية للجيش السوري، توخياً لتأجيل استحقاق بحث مصير الوجود الأميركي شرق سورية، ورهان تركي على إضافة كانتون جغرافي سياسي عسكري داخل الأرض السورية، إلى لواء اسكندرون تحت عنوان منطقة آمنة، ورهان جبهة النصرة برعاية غربية تركية للدخول كشريك في العملية السياسية تحت عنوان اللامركزية السياسية والأمنية الموسّعة، الذي يلاقي ما تطرحه القيادات الكردية العاملة تحت لواء واشنطن، وأخيراً رهان إسرائيلي على إحباط مشروع نهوض الدولة السورية، وما يعنيه ذلك من فتح الباب للشهية الإسرائيلية على مواصلة العبث في أمن سورية من جهة، وعلى السير بتثبيت الشق العائد من مكاسب صفقة القرن بإجراءات الضمّ، والتي يقع الجولان في قلبها.

Read more: الاهتمام الإسرائيلي بمعركة سراقب: ناصر قنديل

سينفق المحللون والإعلاميون الأتراك والمؤيدون لتركيا، ومثلهم المعادون لسورية ولمحور المقاومة، جهداً ووقتاً لتظهير نتائج القمة التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس التركي رجب أردوغان، كانتصار تركي روسي على حساب سورية، لأن أحداً لن يستطيع القول إن روسيا خسرت. فالأفضل أن يلجأ المشككون والمعادون إلى تصوير القمة كتقاسم مصالح روسيّ تركي على حساب سورية، لكنه سيكون من الصعب أن يمتلك أحد من هؤلاء جواباً على أسئلة من نوع، أين أصبح تهديد أردوغان بعملية عسكرية اختار لها اسم درع الربيع وحدّد لها موعداً وهدفاً هو إعادة الجيش السوري إلى النقاط التي كان فيها قبل بدء عملياته العسكرية؟ وأين أصبح الحديث عن إخراج الجيش السوري إلى ما وراء نقاط المراقبة؟ وماذا عن الطريق الدولية التي تربط حلب بدمشق، التي باتت بيد الجيش السوري بعد معارك ضارية كانت أهمها معركة سراقب؟ وأين مصير الأحياء الشمالية والغربية لحلب التي صارت بيد الجيش السوري؟

Read more: سورية تنتصر سياسياً بعد الانتصار العسكريّ: ناصر قنديل

قد يصعب على الكثيرين استيعاب حقيقة أن الجيش الثاني في حلف الناتو قد مُني بهزيمة هي الأسرع التي يمكن أن يتلقاها جيش مثله، في ظروف حشد لها كل مقدراته السياسية والعسكرية، وشحذ لها كل التعبئة الداخلية والخارجية. فخلال الأيام التي أعقبت دخول الجيش السوري إلى الريف الغربي والشمالي لحلب منتصف شهر شباط الماضي، بدأ التحضير للحملة العسكرية التي أعلن الرئيس التركي رجب أردوغان عن موعدها مسبقاً في نهاية شهر شباط، وحدّد لها هدفاً هو إعادة الجيش السوري إلى خلف نقاط المراقبة التركية، قاصداً بالتحديد تراجع الجيش السوري من مدينتي سراقب ومعرة النعمان، وفرض هذا التراجع بالقوة كشرط لوقف الحملة.

Read more: هزيمة أردوغان العثمانيّ… وصعوبة التسويات: ناصر قنديل