Get Adobe Flash player

nasser

              

ناصر قنديل

مع زيارة المبعوث الفرنسي إلى بيروت وجولات أم العروس الفاضية والمشغولة التي استهلكت مدة إقامته، يمكن القول إنّ واشنطن وطهران نجحتا في إغواء باريس بحملة علاقات عامة تعويضاً عن تهميش دورها الفعلي في المشهد الجديد للمنطقة، فقد أنفق نائب وزير الخارجية الفرنسي جان فرنسوا جيرو قبل قدومه إلى بيروت، أسبوعين كاملين وهو يذهب ويعود بين باريس وطهران لأربع مرات ليضمن مقابلة وفد من حزب الله، برئاسة مسؤول مكتب العلاقات الدولية في الحزب، بينما كان يشاهد على شاشات التلفزة صور نائب وزير الخارجية الروسي الذي يوازيه بروتوكولياً وهو يلتقي السيد حسن نصرالله.

Read more: فرنسا: غباء هولاند وخسارة الكتائب

nasser

ناصر قنديل- في مرحلة سابقة كانت المواجهة الدائرة في سورية تقدم مشهداً عنوانه انقسام بين نصفين في الجغرافيا العسكرية والشعبية، واحد من الموالاة وآخر من المعارضة، وكانت المعارضة تحت عنوان سياسي علماني ظاهراً مجسّداً في مجلس أسطنبول وجناح عسكري نظامي اسمه «الجيش الحر»، وعلى رغم ذلك كان أيّ حديث عن الحلّ السياسي يبدأ بالتمهيد للحوار بين الجانبين وينتهي بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، لكن كان الطرف الدولي والإقليمي الراعي للحرب على سورية يصرّ على أنّ الحلّ السياسي يعني رحيل الرئيس الأسد من دون انتخابات ومن دون صناديق اقتراع، وبعدها لا مشكلة في تركيب حكومة تضمّ فريقي الموالاة والمعارضة مناصفة، تتولى بقرار من مجلس الأمن مهمة انتقالية عنوانها إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وكان معلوماً أنّ القصد هو قطع صلة سورية الجديدة بقوى المقاومة وإخراجها من الصراع مع «إسرائيل»، وتحويل جيشها وأمنها على طريقة الجيوش وأجهزة الأمن العربي الأخرى، متخصصة بالداخل كقوات شرطة كبيرة ولا صلة لها بمفهوم الأمن القومي.

- أحبطت كلّ مساعي الرئيس الأسد للحوار، وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للمعارضة ذات مرة علناً: لا تذهبوا إلى الحوار، ورفض حكام قطر والسعودية تسهيل أيّ حوار، لا يبدأ برحيل الأسد، وعلى رغم المتغيّرات العسكرية والشعبية بعد مرور سنتين من عمر الأزمة وظهور الإرهاب بقوة، وتفكك المعارضة، وهيمنة المتطرفين على الأرض التي تسيطر عليها نظرياً، وتحوّل المجموعات العلمانية إلى مجرّد ديكور للدفاع عن المتطرفين كمثل الاحتجاج على تصنيف «جبهة النصرة» كتنظيم إرهابي، وتحوّل «الجيش الحر» إلى يافطة بلا جسم، تحتله ألوية وكتائب ليست إلا أطراً منظمة ومستقلة لحساب تنظيم «القاعدة» بتفرّعاته المختلفة، جاء مؤتمر جنيف، وكانت المسافة الزمنية الفاصلة بين المؤتمر والانتخابات الرئاسية السورية ستة شهور، ما يمنح المطالبين بتنحّي الرئيس الأسد إذا كان هدفهم الحلّ السياسي شرط الدخول من هذا الباب، ويثقون بشعبية المعارضة التي يصفونها بالثورة، فرصة لا تعوّض، لحصر الحوار في مؤتمر جنيف بكيفية ضمان أمن الانتخابات من جهة، وشروطها التنافسية النزيهة من جهة أخرى، وتحويل الانتخابات الرئاسية إلى مناسبة حقيقية للحلّ السياسي. بل كان ممكناً لو حدث ذلك أن تتزامن معها انتخابات برلمانية مبكرة تنتج سلطة تشريعية تحكم توازناتها الجديدة حكومة جديدة يختارها السوريون. لكن رعاة الحرب على سورية أصرّوا على حكومة تولد بقرار انتداب أجنبي على سورية، عبر مجلس الأمن تمنح فيها المعارضة دور قيادة إعادة بناء سورية الجديدة وهي لا تملك ما يمنحها مشروعية شعبية، وإلا قبلت منافسة انتخابية متكافئة وطالبت بالضمانات لذلك، ولا قدرة عسكرية ميدانية في مناطق صارت بيد الإرهاب، فالحلّ السياسي كان ببساطة المجيء بحكومة عملاء يسلّمون مصير سورية لأميركا وجماعتها في المنطقة، وهم كما كانت العروض السياسية المتداولة عندها يتصرّفون مع المجموعات الإرهابية. وحتى هذا الأمر كان مشكوكاً فيه بدليل التجربة العراقية الحاضرة منذ سقوط العراق تحت الاحتلال.

- الآن وقد صار كل شيء مختلفاً، انهارت كلّ التشكيلات السياسية للمعارضة المسمّاة علمانية، وحسم تنظيم «داعش» وجبهة «النصرة» استقلالهما وسيطرتهما العسكرية، وتبخر «الجيش الحر»، وحسم الشعب السوري الانحياز إلى مشروع دولته وجيشه انتخابياً في تجربة أذهلت الجميع، خصوصاً عبر مشاركات السوريين خارج سورية، وانتخب الرئيس بشار الأسد بغالبية راجحة على رغم كلّ الظروف الصعبة لتنظيم العملية الانتخابية، وصارت الحرب على الإرهاب عنواناً عالمياً وإقليمياً، والتسليم المعلن في يوم واحد لكلّ من وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس ومثله لمجلس التعاون الخليجي عن ثنائية، قوامها، أولوية حرب على الإرهاب ستستغرق وقتاً وجهداً، والحاجة إلى حلّ سياسي في سورية، فماذا يعني الحلّ السياسي هنا؟

- مرة أخرى هناك فرصة وحيدة للحلّ السياسي، هي الانتخابات البرلمانية المقبلة ربيع عام 2016 في سورية، ويمكن لحوار ينتهي في ربيع عام 2015، يضمّ الدولة والمعارضة الملتزمة بالحرب على الإرهاب كأولوية أن ينتهي بحكومة تهيّئ لانتخابات برلمانية تنافسية، وتدعم الجيش في حربه على الإرهاب، ويتعهّد رعاة الحرب بتوفير الدعم الدولي والإقليمي للحكومة الجديدة وفك كلّ أشكال العقوبات عن سورية مقابل ذلك، وبحصيلة الانتخابات البرلمانية، تقرّر نسب التمثيل مصير كلّ القضايا العالقة، فمن معه ثلثي البرلمان يستطيع البدء بتعديل الدستور بما فيه ولاية الرئيس، ومن لا يملك هذه الغالبية مجبر على التعايش تحت مظلة رئيس منتخب وبصلاحيات منصوص عليها في الدستور. فإنْ حصل على الغالبية البرلمانية يتولى تشكيل الحكومة الجديدة التي ستتعايش مع الرئيس بصلاحياته إلى حين حلول موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد سبع سنوات، ومن لا يحوز لا الثلثين ولا الغالبية عليه أن يرتضي تمثيلاً في الحكومة الجديدة يعادل حجمه النيابي كمّاً ونوعاً.

- من لا يعلن موقفاً علنياً داعماً لهذا المفهوم للحلّ السياسي، يقول كلاماً بلا معنى، إما لأنه مفلس، أو لأنه يقف ضمناً مع تحالف «إسرائيل» وجبهة «النصرة»، وينتظر أن ينجزا تحوّلات تعيد الأمل بالعودة إلى الحرب مجدّداً.

(البناء)

nasser

ناصر قنديل

- يتوزّع المتحدثون عن الغارات «الإسرائيلية» مساء أمس على محيط دمشق بين قسمين كبيرين، قسم مهتم بمحاولة فهم ماذا وراءها وهل هي بداية لمرحلة جديدة، بعد توقف مديد نسبياً لمثل هذه الغارات، وقسم منصرف للتساؤل هل ستردّ سورية وكيف، والحقيقة أنّ الأمرين جديران بالتساؤل والتفكير والتحليل، لكن بعيداً عن مشاريع الشيطنة والمزايدة الفارغة.

Read more: «إسرائيل» بين الهستيريا والدور الوظيفي

nasser

ناصر قنديل

- كثيرون سارعوا إلى التعليق على الغارات الإسرائيلية متسائلين بابتسامة صفراء عن طبيعة الرد السوري، للتأكيد ضمناً أن لا رد آت وأن سورية تلقت الضربة وستواصل الصمت، وهؤلاء طبعاً يريدون ترسيخ صورة لـ«إسرائيل» أنها لا تزال القوة التي تضرب متى وأين تشاء من دون أن تلقى رداً، وأن العرب وإن خرج بينهم من يرفع شعارات المقاومة، فالقاسم المشترك بينهم أنهم وفقاً لوصف رئيس وزراء قطر السابق عندما تحضر «إسرائيل»، فهم كلهم مجرد نعاج.

Read more: الرد السوري قادم

nasser

ناصر قنديل

- لم تحظ بسبب السيطرة الأميركية على وسائل الإعلام، الكلمة السنوية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للاتحاد الروسي بالحجم الذي تستحقه من الاهتمام، وهي قد حظيت بالاهتمام المناسب في مراكز الدراسات والبحوث الغربية، كتعبير عن تبلور استراتيجية الحرب البادرة الجديدة التي تقودها روسيا، وتبدو مصمّمة عليها مهما كانت التبعات والنتائج، وصولاً إلى تصحيح النظام العالمي سياسياً وقانونياً ومالياً وعسكرياً.

- الكونغرس الأميركي ردّ فوراً على الكلمة بقانون متشدّد لفرض المزيد من العقوبات على روسيا، وعلت صيحات الدعوة إلى عزل روسيا وتدفيعها ثمن التمرّد على المشيئة الأميركية غالياً، ما يعني أنّ المواجهة تتخطى في وصف حالتها الراهنة تعبير أنها ليست في طريق النهاية، بل هي فعلاً في طريق التصعيد.

- الرئيس بوتين يقول إنّ الاستقرار لا تحفظه التنازلات المتبادلة بل الاعتراف بالحقوق وإعادة الحقوق، أما التنازلات المتبادلة فهي تنازل صاحب الحق عن بعض حقه واحتفاظ المقرصن على الحق ببعض منه، وأنّ روسيا بحجمها السكاني والجغرافي ومواردها الطبيعية والاستراتيجية وقوتها العسكرية، لها الحق الكامل بشراكة ندّية في رسم السياسات التي يُدار عبرها العالم، وليس وارداً أن ترتضي روسيا إهانة مطالبتها بالتصرف كدولة من الدرجة الثانية.

- روسيا وفقاً لبوتين لا تهاب التهديد العسكري، وهي جاهزة للمواجهة إذا نشرت الدرع الصاروخية في أوروبا، وواثقة بقواتها المسلحة وبتحقيق النصر، ومستعدّة لتحويل العقوبات إلى محفزات لاقتصادها الكبير، وأول الردّ العفو المالي الذي يطاول كلّ الجرائم المالية لكلّ من تعود رساميله إلى روسيا، وهذا يطاول أكثر من تريليون دولار على الأقلّ، ما أثار الرعب الأميركي والغربي والهستيريا المصرفية.

- رداً على محاولة إعادة فتح ملف البحث في شبه جزيرة القرم في التسوية الأوكرانية، كتبرير لمواصلة العقوبات التي ترفضها موسكو وتصرّ على كونها شريكاً في حلّ لأزمة أوكرانية ـ أوكرانية، وتريد واشنطن تصويرها أزمة أوكرانية ـ روسية، فتستحضر القرم موضوعاً روسياً ـ أوكرانياً كعنوان، قال بوتين لا تحلموا بأن نقبل إعادة البحث بمصير القرم، فهي عندنا قدس الأقداس كما الأقصى للمسلمين والقيامة للمسيحيين والهيكل لليهود.

- كلام بوتين والردّ الأميركي يعنيان أنّ استمرار الموقع الأميركي المتفرد في إدارة الشؤون الدولية قد انتهى، وأنّ دولة تملك مقدرات الدولة العظمى هي روسيا، ومن ورائها الصين وإيران ودول كثيرة في العالم قد ضاقت ذرعاً بالتفرّد الأميركي، وتنتظر من يقود المسيرة، وأنّ الإمبراطورية بنظر من يتربّص للخلاص من هيمنتها وتسلطها وخبثها قد شاخت، وصارت مواجهتها ممكنة والنصر في هذه الحرب قابلاً للتحقيق، فالعبرة السورية قدمت الدليل على هذه الإمكانية، ومنحت الساعين إلى إنهاء الحقبة الأميركية أسباباً كافية للإقدام، والصمود الإيراني ومثله مصير شيخوخة حلفاء أميركا أسباب تكفي ليقول بوتين إنه لن نتراجع حتى يتغيّر العالم.

- بوتين يتقدم ليكون رجل القرن الواحد والعشرين.

(البناء)