Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- مليئة كانت إطلالة السيد حسن نصرالله بالمعطيات والوقائع والمعلومات، وجولة شاملة لملفات المنطقة من اليمن والبحرين إلى لبنان وسورية والعراق ودائماً فلسطين، وتفاعل المحلي بالإقليمي والدولي من إيران إلى السعودية وتركيا وصولاً إلى روسيا وأميركا وأوروبا، الأهمّ أنّ السيد بدا اللاعب الإقليمي الأهمّ في مقاربته التي تخلت عن التحفظ في كثير من المواضيع والعناوين.

Read more: نصرالله وجيوش الشرق العابرة للحدود

nasser

ناصر قنديل

- ليس صحيحاً أنّ الأميركيين لا يشاورون ولا يسألون ولا يستمعون، لكن الصحيح أنّ الأميركيين قبل زمن المحافظين الجدد كانوا أشدّ عقلانية وأكثر تواضعاً، وأعمق فهماً لحدود القوة، ففي مرات ثلاث لجأ الأميركيون إلى سورية يسألونها عن كيفية التعامل مع متغيّرات السياسة، المرة الأولى كانت في عام 1990 عندما وقع غزو الكويت من قبل النظام العراقي السابق وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر يقودان الولايات المتحدة الأميركية، وبدا أنّ قرار التدخل العسكري قد اتخذ، وبقي الأميركيون ينتظرون حتى تسنّى لهم سماع الرئيس حافظ الأسد، وكان ما سمعوه يرتكز على ثلاث نقاط، الأولى هي أنّ صورة الولايات المتحدة الأميركية عند العرب شديدة السوء بسبب موقفها الأعمى الداعم لـ«إسرائيل» وتعطل عملية السلام القائمة على القرارات الدولية ووصولها إلى طريق مسدود، والثانية هي أنّ سورية لا توافق على احتلال بلد لآخر، ومن هذا المنطلق وعلى رغم إيمانها بالوحدة العربية فهي لا تشرّع احتلال بلد عربي لآخر، وإخراج الجيش العراقي من الكويت أمر يجب منحه الفرصة السياسية ليتمّ رضائياً بضغط عربي على العراق، وإذا استعصى فاللجوء إلى القوة يجب أن يحافظ على عنوانين، الأول البعد الدولي القانوني عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن والثاني ميداني عبر شراكة عربية وازنة في التنفيذ، وسورية مستعدة في هذه الحال أن تكون جزءاً من العملية المتكاملة، أما النقطة الثالثة فكانت إصرار الرئيس حافظ الأسد على أنه في حال الخيار العسكري فيجب وقف الحرب عند حدود تحرير الكويت من دون التفكير إطلاقاً في غزو العراق.

- ذهب الأميركيون وفقاً للوصفة التي قدّمها الرئيس حافظ الأسد ولم يركبوا رؤوسهم، وتحرّرت الكويت وانطلقت عملية مدريد للسلام، وفي ظلالها كان إطلاق تطبيق اتفاق الطائف في لبنان لوقف الحرب، وإعادة تكوين الدولة ومؤسّساتها، ويعرف كلّ المتابعين والمعنيّين بشؤون المنطقة أنّ الأميركيين على رغم تحالفهم العميق مع «إسرائيل»، قدموا التغطية الدولية اللازمة للدور السوري في لبنان، والغطاء بقي متوفراً وصالحاً، على رغم انهيار عملية مدريد، وفشل المساعي لتحقيق الانسحاب «الإسرائيلي» وفقاً للقرار 425، واضطرار «إسرائيل» إلى الانسحاب قسراً تحت ضربات المقاومة المدعومة علناً من سورية، وعلى رغم ما لحق كلّ ذلك من تعمّق الخلاف بين سورية وأميركا، حتى عام 2004 وصدور القرار 1559، في زمن ما بعد حرب العراق وموقف سورية المساند للمقاومة فيها وفي لبنان وفي فلسطين، ورفضها إملاءات كولن باول القائمة على مطالبة سورية بفك علاقتها بالمقاومة كقوى وخيار.

- أما على ضفة مدريد كعملية وصلت إلى طريق مسدود فقد بقيت ما عُرفت باسم «وديعة رابين» ثمرة قانونية لدى الديبلوماسية السورية تحسم مبدأ الانسحاب «الإسرائيلي» إلى حدود الرابع من حزيران في جبهة الجولان، والوديعة التي حملت اسم صاحبها اسحاق رابين كانت آخر ثمرات مدريد، قبل أن يُقتل رابين على يد المتطرفين الصهاينة الذين قتلوا معه العملية برمّتها.

- ذهبت عملية مدريد من جهة وتحرّر جنوب لبنان بقوة المقاومة المدعومة من سورية من جهة مقابلة، ورحل الرئيس حافظ الأسد، وتوهّم الحاكم الوافد إلى البيت الأبيض بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، أنّ لحظة الإطباق على سورية كثمرة ناضجة قد حانت، وأنّ زعامة العالم تناديه، وأنّ ما جرى في حرب يوغوسلافيا من جهة، وتفكك الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، يسمحان له بالرهان على نظرية دونالد رامسفيلد وأركان البنتاغون الجدد بول وولفوفتيز وريتشارد بيرل بإعادة رسم خريطة العالم بالقوة العسكرية في حروب على نمط يوغوسلافيا، عنوانها خسائر صفر، لا حساب فيها لمنظمة دولية قالوا إنها بلا قيمة، ولا لقانون دولي قالوا إنه خارج التاريخ، ولا لأوروبا القديمة لأنّ أوروبا الجديدة هي الحكومات التابعة لواشنطن التي ورثت الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية، وبالتأكيد لا مكان لروسيا والصين، والثورات الملوّنة ستحاصرهما من التيبت وهونغ كونغ إلى أوكرانيا وجورجيا.

- أعدّ الأميركيون لغزو أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، لكنهم مرة أخرى قرروا سماع سورية، وأرسلوا وفداً من الكونغرس للقاء الرئيس بشار الأسد، وكان اللقاء وكانت الحصيلة بين أيدي الأميركيين جملة نصائح عن الفارق بين الانتقام من الإرهاب وبين معالجة الإرهاب، واصفاً الإرهاب بالسرطان الخبيث الذي يتغلغل من دون أن تستطيع مراقبة نموّه وكشفه بالفحوص السريرية والمخبرية، والذي لا يداوى بالانتقام، فالانتقام هنا كجرح العضو المصاب وشقه، ولن يؤدّي إلا إلى انتشار السرطان ولو ظهر لوهلة أولى أنّ بعض المناطق المصابة قد تمّ تطهيرها، ووصف العلاج المجدي بالمؤلم والطويل، لأنه يشتغل على جذوع الخلايا وحمضها النووي وهو هنا الاقتصاد والثقافة، ومن بعدهما السياسة، وخلص الرئيس بشار الأسد إلى القول إنّ غزو أفغانستان سيكون خطأ تاريخياً يفقد أميركا التعاطف الذي كسبته في قلوب العالم كله، وصرفاً غير موفّق لهذا الرصيد الذي جلبته المأساة، والذي يُستحسن صرفه في مكان يعزّز من المكانة الأميركية عبر إدارة حوار عالمي هادئ حول تعريف الإرهاب وكيفية مواجهته، وخصوصاً في ماهية العلاقات الدولية النموذجية لعالم خال من الإرهاب، ولأنّ الإرهاب الذي نتحدّث عنه يستظلّ بالإسلام ويبدو أنه موجه ضدّ الغرب فمن الضروري البحث في كيفية تنقية العلاقات بين الغرب والمسلمين من نقاط الضعف، خصوصاً عندما تظهر أميركا أنها تريد مقاتلة الإرهاب الذي يرتكبه مسلمون وتدافع عن إرهاب ترتكبه دولة محظية في واشنطن هي «إسرائيل»، استمع الأميركيون وركبوا رؤوسهم وذهبوا إلى حربهم، وعند أول بوادر الفشل فيها كانوا قد أكملوا عدة حربهم الثانية، واتجهوا صوب العراق.

- قبيل الحرب على العراق وبعدما اكتملت العدة وصار العرب كلهم في الجيب الأميركي يقرعون طبول الحرب، بقيت سورية وبقي الرئيس بشار الأسد، وبقيت العبارات الشهيرة التي قالها في مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في شرم الشيخ عام 2002، وقال فيها إنّ المستهدف ليس بلداً بعينه ولا نظام حكم بعينه ولا حاكماً بعينه، بل هو الأمة كلها لجرّها إلى حروب تفتّتها على أساس الأعراق والطوائف والمذاهب، ولم يسمع العرب، فجاء الأميركيون ليسمعوا، وزاره معاون وزير الخارجية الأميركية وليم بيرنز يسأل رأي سورية بالحرب على العراق، وسمع أنّ سورية ترى الحرب خطأ قاتلاً ستندم عليه واشنطن وستلجأ تطلب المعونة للخروج من المستنقع، وأنّ المقاومة ستنطلق في وجه الأميركيين وسورية ستكون مع هذه المقاومة، لكن الأخطر لن يكون المقاومة بل الإرهاب الذي سيتفشى في العراق ومنه إلى المنطقة وربما إلى العالم، ولن تفيد معه عندها النصائح فسيكون قد فات الكثير من الأوان وزُهقت الكثير من الأرواح، وقال الأسد لبيرنز: ليست حكومتكم بحاجة إلى عرض قوة لتثبت قدرتها على احتلال العراق أو أفغانستان، لأنّ السؤال لا يطاول هذه القدرة، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي لاحتلالكم العراق، ستكتشفون أنكم عاجزون عن قيادة عملية سياسية تنتج استقراراً يسمح لكم بالانسحاب، وتجدون أنفسكم تغرقون ويغرق معكم العالم والمنطقة في بحر من الفوضى والأزمات، وتأتون تسألون ما العمل؟ الناس ستعاملكم كمحتلين ولن تصغي إليكم، وفي المنطقة شعوب تحمل لكم ذاكرة حمايتكم العمياء للاحتلال والعدوان «الإسرائيليّين»، وستكتشفون ولكن للأسف بعد فوات الأوان صحة ما نقول لكم وصدق نصائحنا.

- ركب الأميركيون رؤوسهم وأطلقوا الأعنّة لفرسان الحرب، وغرقوا في العراق وأفغانستان، فكانت نظرية ما لا تحله الفوضى يحلّ بالمزيد من الفوضى بعد فشل نظرية ما لا تحله القوة يحلّ بالمزيد من القوة، وجاء «الربيع العربي» وقذفت كرة النار نحو سورية، وكان الإرهاب حصان الرهان الرئيسي، وها هو الإرهاب يتجذر ويتمكن، ويصير خطراً على العالم في قلب العواصم التي رعته وساندته واستجلبته إلى سورية، وهذه المرة كان الرئيس بشار الأسد يحذر منذ اليوم الأول، ويردّد أنّ سورية ستمتلك مناعة الصمود، لكن اللعب مع وحش الإرهاب سيجلب الكارثة على العالم وسيكتشف الذين جلبوه لتدمير سورية وإسقاطها أنهم أول الضحايا، وها هم ضحايا، وها هو الرئيس الأسد يعيد، الحلف في وجه الإرهاب ينطلق من نزاهة القول إنّ الحرب على الإرهاب أولوية، فهل يتصرّف الغرب في خصوماته وتحالفاته على أساس أنّ الحرب على الإرهاب بوصلته في الاختيار؟

- لا يزال الغرب وحلفاؤه غارقون في علاقاتهم الملتبسة بالإرهاب، وأغلب خصومه يخوضون حربهم على الإرهاب، بينما يضطرون إلى تسخير جزء من قدراتهم للأسف لصدّ ما يدبّره الغرب ضدّهم.

- سيمرّ وقت طويل قبل أن يصحو الغرب من هذا الغرور، ويدرك أنّ نصيحة ابن البلد لا تقدّر بثمن فكيف إذا كان حكيماً وشجاعاً؟

(البناء)

nasser

ناصر قنديل

يواصل القادة الغربيون استعراض القوة في إعلان الحرب على الإرهاب، فتستعرض فرنسا قادة العالم في شوارعها معلنة أنّ هذا الحشد هو نواة الحرب المقبلة، وما جمعه من أعداء كبنيامين نتنياهو ومحمود عباس يؤكد أنّ الحرب على الإرهاب تجمع الذين فرّقتهم المصالح والمبادئ والحروب، ويخرج قائد القوات الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي ليعلن أنّ جيوشه تنتظر إشارة الرئيس باراك أوباما لسحق «داعش»، وتنفذ عملاً برياً واسع النطاق في العراق وسورية، وأنّ «داعش» تنظيم سيسحق تحت قيادة هذا الجنرال الذي كان قبل شهور يقول هو ورئيسه إنّ أمامنا حرباً طويلة الأمد ستستمرّ لسنوات وقد لا تنهي «داعش» بل تحدّ من نفوذه، فجاءت الانتصارات العراقية التي لا يد لقوات التحالف الذي تقوده واشنطن فيها لتحرج الجميع وتقول: يمكن تحقيق الانتصار على «داعش»، ويعلن التحالف العراقي الإيراني السوري العسكري وامتلاكه خططاً واقعية بدأ تنفيذها لسحق الإرهاب في بلاد الشام ويظهر دور الدعم الإيراني من جهة ودور حزب الله من جهة.

Read more: فابيوس وأوغلو وحياة بومدين في طائرة واحدة

nasser

ناصر قنديل

ليس بعيداً عن المنطق القول إن لبنان تخطى محنتين دفعة واحدة، الأولى تجلت في عبوره لمخاطر انفجار فتنة أهلية، بعد تفجير جبل محسن الذي كان مبرمجاً ومدروساً بحيث لا يمكن توقع القدرة على امتصاص نتائجه، ولا تفادي تداعياته من دون الوقوع في المحظور، فقد كان التفجير الانتحاري المزدوج محسوباً بأهدافه وأداة التنفيذ بحيث يكون الردّ طوفان غضب في جبل محسن يجتاح حي المنكوبين على خلفية الذاكرة المليئة بالجراحات والموروثة والنازفة والمليئة بالآلام ومنهما إلى كل لبنان، جراحات لا تنتهي وتهدد باندلاع حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

Read more: كيف قرأها بري ونصرالله؟

nasser

- يعرف الذين عاصروا وتابعوا هذا النوع من العمليات الأمنية التي استهدفت فرنسا وتتمّتها المفترضة في جبل محسن، كمثل أحداث الحادي عشر من أيلول كمثل عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أنها تحتاج عملاً لوجستياً يستحيل إنجازه في أيام، كما يعرفون أنه في كثير من الحالات يحتاج المنفذون جيشاً من المعاونين يبدأ من الاستطلاع والمعلومات والهواتف القابلة للإتلاف، ومراكز الإيواء وسيارات وبدائلها في الطريق، وإذا تحوّلت العملية إلى عملية مركبة تصبح الحاجة مضاعفة إنْ لم يكن أكثر، ودرجة الشعور بالراحة من المنفذين توحي بالثقة بأنّ كلّ شيء متوافر، وأنّ الخطة لا تستند إلى قرار بأن ينتحر المنفذون لتصير درجة الحيطة أقلّ ومستوى الحاجات أعلى.

- يعرف المتابعون أيضاً أنه عندما تكون العملية نفذت بنجاح وتكون بداية لمجموعة من التطورات تؤشر إلى كونها بداية مرحلة جديدة، تنهي ما قبلها وتبدأ بسمات مختلفة، تصبح من نوع عمليات ممنوع الفشل فيها، وحجم ما يرصد لضمان نجاحها أكبر من الخيال، فلا يمكن الاكتفاء بالتفسير الظاهري الذي يضع الحدث في دائرة الظروف المكانية والزمانية وطبيعة ما يبدو أسبابه وأهدافه المباشرة، بل رؤية التداعيات والنتائج والمرحلة التي يبشر بها الحدث للحكم على من سيكون المستفيد ومن سيدفع الثمن، وتحديد الأرباح والخسائر على ضفاف اللاعبين.

- كون المنفذين هم من الجماعات الإسلامية المتشدّدة التي تعلن مناصبة اليهود والمسيحيين العداء كان يشكل في الماضي سبباً سريعاً ليخرج علينا الكثيرون بالردّ المستعجل، حتى بهذه تتهمون «إسرائيل»؟ أيُعقل أن تحرّك «إسرائيل» مجموعات إسلامية، فهل أصبح القيد على مناقشة الفرضية «الإسرائيلية» أقلّ بعدما ظهر أنّ اللاعبين المنتسبين إلى فكر وتنظيم «القاعدة» يتحاوران لتوحيد الصفوف في العمليات الخارجية برعاية أيمن الظواهري، وأنه من يقرّر نسبة العمل لأيّ من الفريقين، وبعدما بدا علناً أنّ «إسرائيل» تعلن علاقتها الرسمية بالفرع الرسمي لتنظيم «القاعدة» في بلاد الشام الذي تمثله جبهة «النصرة»، وتعلن أنها تراها فريقاً يمكن التعاون معه وأنه يؤتمن جانبه على أمن «إسرائيل»، وإنْ جاءت عمليات التغطية الجوية «الإسرائيلية» لعمليات جبهة «النصرة» في جبهة الجولان وبعدها عمليات الاستطلاع الجوي لحركة الجيش اللبناني وتحركات حزب الله، كمؤشرات على التعاون الأمني، فهل يتسامح المستعجلون مع مبدأ سماع فرضية اعتبار «إسرائيل» مشتبهاً به؟

- من المسلم به أنّ «إسرائيل» تعيش منذ عام 2000 تاريخ انسحابها من جنوب لبنان مرغمة تجرجر أذيال الهزيمة، وأنّ أنصارها في الولايات المتحدة وما عرف بالصهيونية المسيحية يتحدثون علناً عقائدياً وسياسياً عن ضرورة الاستعداد للقتال في الشرق الأوسط، سواء بدافع ديني اسمه ضرورة تمهيد شروط ظهور المسيح المخلص بإعادة مجد «مملكة بني إسرائيل»، أو بدافع عقائدي بالاستعداد لمعركة هرمجيدون، أو في السياسة بربط زعامة القرن الواحد والعشرين بالسيطرة على منابع وممرات الطاقة في الشرق الأوسط، أو بدافع استراتيجي وعنوانه الشفاء من عقدة فيتنام، وقد جمع كلّ ذلك ريتشارد بيرل الذي صار مسؤول السياسات في البنتاغون في عهد جورج دبليو بوش، بقوله إنّ أميركا تحتاج بيرل هاربر أخرى يوم هاجمها الانتحاريون اليابانيون حتى أعلنت مشاركتها في الحرب العالمية الثانية وخرجت بسبب جرحها البليغ إلى ما بعد المحيطات، فلماذا بعدما صارت العلاقة معلنة بين «إسرائيل» وتنظيم «القاعدة»، يجب استبعاد «إسرائيل» من فرضيات أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، الـ»بيرل هاربر الأخرى» وقد جلبت حروباً ليست لمصلحة أميركا بقدر ما هي لمصلحة «إسرائيل»، كما وصف المرشح الرئاسي الجمهوري المحافظ باتريك بوكانون حرب العراق في مقالته الشهيرة في آذار 2003 في مجلة المحافظين؟

- إذا كانت حروب أفغانستان والعراق قد فشلت في تحقيق الأهداف المنشودة وصار المطلوب عملية تخلط الأوراق، وتفتح الممرات اللازمة نحو الفتنة المذهبية وحرب الشيعة والسنة وتمنح القرار 1559 قوة دفع لا يملكها ويصل الأمر حدّ الرهان على سقوط سورية بقوة العصف الناتج من تفجير خطوط الغضب، و«إسرائيل» لم تنف لا علاقتها بالقرار ولا دورها في متابعة تداعيات اغتيال الرئيس الحريري، وصولاً إلى ما تمتلئ به أوراق لجان التحقيق الدولية بالتقارير «الإسرائيلية»، من الاتهام الأول الموجّه نحو سورية وصولاً للاتهام المركزي الذي تدور عليه المحكمة الدولية، والصدفة السعيدة لـ«إسرائيل» بأن تكون المقاومة هي المتهم الذي يحاكم في الجريمة، وصديق المحكمة السري الذي زوّدها بالداتا أو جهز لها الداتا ممنوع الكشف عن هويته، فلماذا يكون وضع «إسرائيل» بين المشتبه بهم ممنوعاً؟ وهل ثمة عاقل مستعدّ لتذكر الشريط الذي عرضه قائد المقاومة عن طيران الاستطلاع «الإسرائيلي» وهو يراقب موكب الرئيس الحريري؟

- في عملية باريس كما في نيويورك جرى اختيار الهدف بعناية رمزية ليست بعيدة أيضاً عن تجمّعات اليهود، سواء بإبعادهم عن الاستهداف كما قيل في نيويورك، أو بجعلهم الهدف في باريس، لكن في الحالتين رمزية العظمة الأميركية التي يجسّدها برجا التجارة، أو القيمة الفرنسية التي تمثلها حرية التعبير، وفي الحالتين إدراك حجم ردود الفعل واتجاهها العدائي نحو المسلمين وذوي الأصول الإسلامية، في حالة أميركا نحو الغزو الخارجي وفي حالة فرنسا نحو الغزوات الداخلية، ولذلك جرى اختيار الأداة بعناية أيضاً، فالغالبية السعودية في منفذي هجمات أميركا لرمزية الإسلام والمقدسات، وفي حالة فرنسا الجزائريون لرمزية الجاليات المهاجرة، والزمن زمن المأزق الوجودي لـ«إسرائيل» بعد فشل «الربيع العربي» في تقديم شبكة الأمان اللازمة قبيل الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واتجاه الغرب بقيادة أميركية نحو منطق التسويات في الشرق الأوسط، وهي تسويات ليست «إسرائيل» جاهزة لها ولن تتمّ إلا على حسابها، فيصير ذهاب العالم إلى الحروب الدينية بدلاً من مواجهة الإرهاب بجبهة إنسانية متحدة غرضاً «إسرائيلياً» صافياً، حروب دينية تستدعي تنظيم ردود الأفعال على الضفاف الإسلامية واليهودية والمسيحية بالغضب المتبادل، وهذا لا يبدو تحت السيطرة، ولا تبدو جهة قادرة على تخديمه وتوظيفه وقيادته إلا «إسرائيل»، وهي الجهة الوحيدة التي تملك صهيونيتها اليهودية وصهيونيتها المسيحية وصهيونيتها الإسلامية، فهل يمنع إدراجها بين المشتبه بهم؟

- في جبل محسن تفجير انتحاريين ليسا ضروريين لوجستياً بقدر ضرورة توسيع دائرة الحقد في جبل محسن على حي المنكوبين في طرابلس، وصدفة عناية اختيار الهدف والأداة على الطريقة الباريسية، فلو كان منفذا عملية باريس من جنسية صومالية مثلاً ومنفذا عملية جبل محسن من جنسية يمنية هل كان الأمر بذات المعنى؟ أليس ذلك هو الجزء الأهمّ من العمليتين؟ وربما كان متاحاً تنفيذ للعمليتين بعبوات لا تترك بصمات بشرية ذات صفة سوسيولوجية تنكأ جراحات وتفتح خطوط تماس، لكن يبدو هذا مطلوباً أكثر من العمليتين بنفسيهما، ولماذا عندما أقلع الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله وجاءت الإشارات الإيجابية لتطوّره وتقدّمه وجدّيته، تأتي العملية في جبل محسن وما قد يليها بذات الطريقة لبلوغ التوتر الذي يعيد العبث في بيئة تيار المستقبل وشقها لحساب المنظمات الإرهابية، لاستخدامها في حرب بين السنة والشيعة، تتآكل «إسرائيل» إذا لم تندلع.

- هل لا يزال ممنوعاً اتهام «إسرائيل» أو وضعها على الأقلّ في لائحة المتشبه بهم؟

(البناء)