Get Adobe Flash player

لا يحتاج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لإثباتات على نزاهته وترفعه عن كل ما يجذب متعاطي السياسة في لبنان والمنطقة والعالم. فهو نموذج فريد من هؤلاء كرّس نفسه ووهبها وحياته وروحه ودمه لقضية صدق في وعد الانتماء إليها حتى اللانهاية. ومَن يعرف شروط حياة عائلة السيد نصرالله والأقربين يعرف أنه يضع مقاييس قاسية لشروط العيش لمن يريد الانتساب إليه تلاقي معاييره في الزهد والترفع. وفي قربه من الناس وأوجاعها لا يمثل السيد نصرالله مشروعه السياسي بل أخلاقه وضميره ووجدانه، حيث الشعور بوجع الفقراء وآلام المظلومين، وحيث التحفز لنصرة هؤلاء قضيته التي لا تغيب، بل التي برّرت أن يحمل على عاتقه ويضع مصداقيته في الميزان بإعلان تصدّر المعركة على الفساد. وليس موضع نقاش عند كل عارف أن السيد نصرالله داعية دائم لحساب تغيير سياسي يأخذ لبنان نحو نظام سياسي اقتصادي جديد يضمن قيام دولة المواطنة والقانون والعدالة الاجتماعية ودولة الرعاية بمفهومها الواسع.

Read more: خطاب غير شعبوي لنصرالله... فماذا خلفه؟: ناصر قنديل

لم تحقق كلمة رئيس الجمهورية الاختراق المأمول في الشارع، رغم ما تضمنته من تأكيد للنيات الإيجابية تجاه التعامل مع ملفي مكافحة الفساد والتعديل الحكومي، كعنوانين كبيرين للحراك، لأن الاستقطاب بلغ الذروة مع مقدرات إعلامية هائلة لتجذيره في ظل وجود مسارين في الحراك: مسار شعبي يساوي بين المسؤولين عن الحكم، رغم تمييزه لرئيس الجمهورية بحصر مسؤوليته في العجز عن ترجمة وعوده بمواجهة الفساد والفاسدين، والحديث عن اتهامات تطال بعض مَن هم حول الرئيس لا يصل حدّ ما يوجهه أهل هذا المسار من مضابط اتهام للذين بدّدوا المال العام وراكموا الديون خلال السنوات الثلاثين الماضية، بينما مسار آخر في الحراك مدعوم من المؤسسات الإعلامية الراعية والأحزاب الشديدة التنظيم والقوية العصبية، يتحدث عن كلن يعني كلن ، ليطال المقاومة بسهام الفساد من جهة، ويمرّر من جهة مقابلة تسليمه باتهام المسؤولين الفعليين عن تراكم الفساد وضياع المال العام، من باب رفع العتب، لأنه يريد للحديث عن إسقاط الحكومة شيئاً آخر هو بلوغ مرحلة المواجهة المباشرة مع رئيس الجمهورية، كغطاء للمقاومة. وفي ظل هذا الاستقطاب الحادّ تصير خلاصة الحراك معقدة لصعوبة فصل المسارين وسهولة الأحكام المسبقة حتى قبل أن يتكلم رئيس الجمهورية، ما دام لم ينطق إحدى كلمتين تشفيان غليل أصحاب المسار المنظّم، الاستقالة الرئاسية أو التخلي عن وزير الخارجية جبران باسيل.

Read more: سباق المسارات في التعامل مع الحراك: ناصر قنديل

يخشى الكثيرون من المؤمنين بالمقاومة أن يتحول الحراك الشعبي إلى منصة لاستهداف المقاومة. وهذه الخشية من محاولات الاستخدام والتوظيف تستند إلى خبرات ومعلومات ووقائع كثيرة لا حاجة لذكرها، لكن السؤال حول قدرة أصحاب هذا المشروع على الفوز به شيء مختلف عن وجود المشروع وتسخير إمكانات إعلامية ومالية وتنظيمية واستخبارية لإنجاحه، وما يصحّ في البلدان التي لا وجود للمقاومة فيها لا يصحّ حيث للمقاومة تاريخ عريق وبعد شعبي عميق، وجذور راسخة في الوجدان الجمعي للبنانيين يجعلها بمنأى عن الخطر، وسيكتشف كل مَن يحاول تصعيد خطاب بحجم التأشير على المقاومة بصفتها مصدر الأزمة وعنوان الاستهداف أنه يفقد صدقيته في الحراك، أو يدفع بالحراك للجفاف الشعبي ويصير الانفضاض من حول الحراك إذا صعدت عناوين تستهدف المقاومة تحصيل حاصل، ولذلك تصير المبالغة بالتحذير من هذا الخطر كتجاهل وجوده سيفاً ذا حدّين.

Read more: ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة ليست عسكرية فقط: ناصر قنديل

منذ بداية الحراك وشعارات التمجيد بالجيش والتطلّع لقيادته للتغيير عنوان مشهد الساحات. وخلال الأيام التي مضت بدا بوضوح أن بعض التحرّشات التي تعرّضت لها ساحات الحراك واجهت تحركاً عاجلاً وسريعاً من الجيش لتوفير الحماية الصادقة للساحات. وفجأة ظهر قرار تحويل الحراك من الاعتصام في الساحات إلى قطع الطرقات، ومثلما ظهر في اليومين الأولين مَن يشرعن أعمال الحرق والسرقة التي تعرّضت لها بعض المحال التجارية، متحدثاً عن أن الفوضى سمة الثورات، خرج من يزيِّن للحراك قطع الطرقات وفرض الإضراب بالقوة وتجميع الحشود بالقوة، باعتبارهما نوعاً من الديمقراطية الثورية، ديمقراطية تشبه حكم بول بوت في كمبوديا الذي أعدم مئات الآلاف من الذين رفضوا إصلاحاته، وشعاره أن إسعاد الناس يمكن أن يتمّ بالقوة، فهو أعلم بمصلحتهم.

Read more: مَن ورّط الحراك بفخ الصدام مع الجيش؟: ناصر قنديل

لا تستطيع الحكومة أن تُنكر أن ما أقرّته لم يكن برنامجها الأصلي ولا برنامج رئيسها، وأنه ما كان ليكون لولا الحراك الشعبي الهادر في الشارع، ليس في صيغة الحزمة الكييرة للقرارات التي كانت تستهلك سنوات لتوضع على الطاولة وحسب، بل بمضمون مغاير لما كان يدور حوله النقاش تحضيراً للموازنة. فصرف النظر عن الضرائب على المواطنين، وتحميل مصرف لبنان والمصارف عبئاً أساسياً من سد العجز في الموازنة، وتطبيق تقشف واسع النطاق في الإنفاق الحكومي، وفتح ملف الأموال المنهوبة والمساءلة، هي توجهات كانت مرفوضة في السياسات الحكومية السابقة، وإقرارها هو محاولة لملاقاة الغضب الشعبي في منتصف الطريق، وهذه حصيلة تُكتب للشعب، ويُقدَّر بالمقابل للحكومة تلقي صرخاته، ولو متأخرة وناقصة وتحوم حولها تساؤلات الصدقية في التنفيذ.

Read more: المساكنة الإلزامية بين الحراك والحكومة: ناصر قنديل