Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

التدخل السعودي في اليمن

وتدخل إيران وحزب الله في سورية

- الفكرة الوحيدة التي تفتق عنها فكر المتداخلين في الحملة الشعواء على كلام السيد حسن نصرالله، وسط أكوام الشتائم، كانت اتهامه بازدواجية المعايير بقياس تبريره تدخل إيران وحزب الله في سورية واعتبارهما رداً على عدوان، وبالمقابل رفض وإدانة التدخل السعودي في اليمن واعتباره عدواناً، خصوصاً أن السعودية دولة مجاورة تربطها علاقات خاصة باليمن، وهي راعية الحل السياسي فيه وصاحبة الضمانة لحسن تنفيذه، بينما حزب الله ليس الدولة اللبنانية وتدخله جاء من خارج مؤسسات هذه الدولة، وإيران دولة، لكنها غير عربية وليست دولة جوار، وبكل الأحوال ما يصح لها في سورية يجب أن يصح للسعودية بصورة أقوى في اليمن.

- حاولنا عرض الفكرة بصورة نظنها أفضل مما قدمها أصحابها، من باب السعي لمناقشة هادئة لها، بعيداً عن اللغة التي طغت في النص الأصلي حتى اضطررنا لملمة شظايا الفكرة وتوضيبها بعد تنظيفها من سواد الكلام النابي.

- كي تكون المقارنة بالقياس منصفة، لا قيمة لمن هو دولة ومن ليس دولة ومن هو عربي ومن ليس عربياً، باعتبار الشأن يخص الدولة السورية وقبولها، ولذلك ترتبط المقارنة ويرتبط القياس باستعراض الشروط التي توافرت حتى صار قرار التدخل مشروعاً، بتوقيته وظروفه وحجمه، وكذلك مقارنة نوعية التدخل وعنوانها وأهدافها المعلنة، وفي حال توافرت في التدخل السعودي الشروط وعناصر التوقيت وشكل التدخل، الشروط والعناصر التي ارتبط بها التدخل في سورية بالمقابل من جانب حزب الله وإيران، لصارت انتقادات السيد نصرالله وإدانته للتدخل السعودي في غير محلها، وإن ثبت العكس صار التحدث عن ازدواجية المعايير ذراً للرماد في العيون واختباء وراء عنوان سطحي اسمه التدخل والمبرر والمشروع فكيف لا يكون مثله غير مبرر وغير مشروع.

- ارتبط قرار حزب الله بالتدخل في سورية، ومثله إيران، برفعهما شعار السعي إلى حلّ سياسي للأزمة السورية وحصولهما على موافقة حليفهما الرئيس بشار الأسد، وحينها أعلنت الفصائل المعارضة رفض الحلّ السياسي مدعومة من السعودية المتدخلة جداً في سورية مالاً وسلاحاً وسياسة وسعياً إلى استدراج تدخل دولي، تحت عنوان لا حلّ سياسياً مع الرئيس الأسد، وصار شعار المعارضة والسعودية الحلّ العسكري هو الطريق.

- في اليمن حزب الله وإيران يحالفان التيار الحوثي الذي أعلن تمسكه بالحلّ السياسي، وكان سقف تطلعه للحلّ دستوراً جديداً، وحكومة توافقية تحت ظلّ رئاسة الرئيس منصور هادي، تمهيداً لانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، وبعدما تمّت موافقة الرئيس هادي، تنصل الرئيس من التزامه واستقال واستقالت معه حكومته، فصار السقف عند الحوثيين هو حوار بين الأحزاب، بلا استثناء، لبلورة شكل موقت لملء الشغور الدستوري يمهّد مرة أخرى لانتخابات نيابية ورئاسية، وبعد مساع دؤوبة لإنجاح هذا الحوار، جرى إفشالها من جماعة السعودية علناً، لدفع اليمن إلى الفوضى بفرار منصور هادي إلى عدن وإعلانه صنعاء محتلة وطلبه التدخل السعودي العسكري وإصراره ومعه السعودية على حل سياسي هو استسلام سياسي وعسكري للحوثيين، عنوانه تسليم بشرعية هادي المستقيل والمنتهية ولايته، وتسليم السلاح والانسحاب العسكري من كلّ المواقع التي بحوزتهم، والذهاب إلى الرياض كبيت للطاعة، وإلا صارت الحرب التي صارت فعلاً.

- في سورية قبل الرئيس السوري الحلّ الذي طرح شبيهه الحوثيون في اليمن، أيّ حوار تنبثق منه حكومة تنهي النزاع المسلح وترعى المصالحة، وتهيّئ لانتخابات نيابية ورئاسية في مواعيد الاستحقاقات الدستورية ووفقاً للدستور الجديد، بعد الاستفتاء الشعبي عليه لإقراره، كما قبل الرئيس الأسد في سورية من موقعه كحاكم بحلّ آخر مشابه لما قبله الحوثيون في اليمن من موقعهم المعارض، وهو التوصل إلى توافق على الوحدة لمحاربة الإرهاب وراء الجيش الشرعي بتشكيلات شعبية مسلحة، وتشكيل حكومة تشرف على انتخابات برلمانية، يملك من يحصد نتائج تتيح له تشكيل الحكومة أن يتولى تشكيلها ومن يملك غالبية تتيح له تعديل الدستور، يكون له ذلك، ومثلما كان الرفض من جانب المعارضة وتشكيلاتها المدعومة من السعودية في سورية، كان الرفض من الحكم المدعوم من السعودية في اليمن.

- حصل حزب الله وحصلت إيران على موافقة حليفهما الرئيس بشار الأسد على هذا الحلّ المنصف والديمقراطي، وبذل كلّ منهما جهوداً مضنية مع من تصل أصواتهما إليه من المعارضة ورعاتها الإقليميين والدوليين، بينما كانت مواقف هذه المعارضة وداعميها، وفي مقدمهم السعودية معلنة، تصرّ على الحلّ العسكري وتتوسل لبلوغه كلّ ما هو متاح لها، من استجلاب مقاتلي «القاعدة»، كما صرح نائب الرئيس الأميركي متهِماً تركيا ودول الخليج وفي مقدّمهم السعودية بجلب الإرهابيين والتعاون معهم وتقديم مئات ملايين الدولارات لهم، وعشرات الآلاف من أطنان السلاح، ووصلت السعودية والمعارضة التابعة لها في سورية إلى طلب المعونة العسكرية من كلّ دول العالم لحرب تأكل الأخضر واليابس في سورية، ولا يزال نحيبهم على انسحاب الأساطيل الأميركية بعيد الحلّ الكيماوي يطنّ في الآذان.

- لو عرض حزب الله على المعارضة السورية، أو عرضت إيران، حلاً يشبه الذي عرضته السعودية على الحوثيين، أي إعلان الاستسلام وتسليم المواقع والسلاح ومعه إعلان الاعتراف بشرعية الرئيس الأسد بعد انتهاء ولايته من دون انتخابات كحال هادي المنتهية ولايته والمستقيل، واشترطت على المعارضة المجيء إلى حوار في طهران أو الضاحية الجنوبية وإلا إعلان الحرب، أو لو عرض السعوديون على الحوثيين حلاً يشبه الحل الذي قبله الرئيس الأسد في سورية، أيّ حوار بلا شروط ينتج حكومة توافقية تشرف على انتخابات نيابية ورئاسية في مواعيد استحقاقاتها، وتعديل الدستور والاستفتاء على تعديلاته، أو منح الغالبية النيابية المحدّدة في الدستور صلاحية تشكيل الحكومة أو تعديل الدستور، وربط مسألة السلاح بالمصالحة الوطنية، والاكتفاء بالقتال ضدّ الإرهاب وراء الجيش السوري كإطار مرحلي للمصالحة، لو حدث ذلك ورفض الحوثيون، كمثل لو عرض حزب الله في سورية على المعارضة حلاً شبيهاً بالذي عرضته السعودية على الحوثيين، لبدأت فرص القياس بالمقارنة تقترب، لكن الذي حدث هو العكس، تدخلت السعودية في اليمن وسورية معاً، لمنع الحلّ السياسي المنصف وتشجيع الحلّ العسكري، تحت ستار زائف لحلّ سياسي مضمونه الاستسلام، على طريقة العرض الذي قدمه جورج بوش لصدام حسين ترحل أو ترحل.

- في التوقيت، بقي التدخل من جانب حزب الله وإيران مشروطاً بالظهور العلني لتنظيم «القاعدة» الذي جلبته دول تحالف الحرب على سورية التي تزعّمتها السعودية، وهو ظهور يسلم الجميع أنه ليس ادّعاء إعلامياً بل حقيقة ثابتة وخطر إقليمي مجمع على تشخيصه، لا بل وصل الملك السعودي إلى القول إنه ما لم تتدخل أوروبا وأميركا ضدّ هذا الخطر، فسيصل إليهم خلال أسابيع، طبعاً قيل هذا الكلام بعدما استفحل الخطر الذي قام السعوديون بجلبه، بينما يحدث العكس في اليمن، حيث الحوثيون وحدهم يقاتلون «القاعدة»، وجماعة السعودية يستندون إلى تنظيم «القاعدة» لقتال الحوثيين ويتكرّر المشهد السوري بالرعاية السعودية ذاتها.

- في طبيعة ونوع التدخل، على رغم كلّ ما يُقال عن حجم التدخل الإيراني، وحجم دور حزب الله، فالأكيد بالوقائع أنّ مؤسسات الدولة السورية التي يرأس هرمها الرئيس بشار الأسد، لا تزال قائمة وتدين له بالولاء وعلى رأسها مؤسسات الجيش والأمن، ولا يزال في مقرّ إقامته، بينما لم يفلح منصور هادي في الاحتفاظ بولاء جيشه ومقرّ إقامته، على رغم حجم التورّط السعودي في السعي إلى تعويمه، وبعد عشرة أيام على حرب شاملة يشنّها السعوديون لم ينجحوا في إيجاد رأس جسر لعودته إلى تراب اليمن، وبينما تقاتل السعودية وحدها في وجه الحوثيين، وبكلّ ثقلها، لا يتعدّى دور إيران وحزب الله الإسناد الموضعي في حالات محدّدة، وغالباً كمستشارين ووحدات نخبة.

- لا حاجة هنا لربط التوضيح بالمكانتين المختلفتين من الصراع مع «إسرائيل»، لسورية وجيشها، ومكانة ذلك من مشروع المقاومة، لأنّ العداء لـ«إسرائيل» عندما يعني السعوديين كمقياس، فهو يعنيهم بطمأنة «الإسرائيليين» كما فعل وزير خارجية منصور هادي، رياض ياسين الذي عيّنه السعوديون، بقوله إنّ الصواريخ التي كانت تسبب القلق لـ«إسرائيل» في ميناء الحديدة قد دمّرها الطيران السعودي ولم تعد تشكل خطراً على «إسرائيل»، وهو الخطر الذي كشفت الصحافة «الإسرائيلية» أنّ رئيس «الموساد» تامير باردو ذهب إلى السعودية مستعجلاً حرباً تزيله.

- لتعلن السعودية غداً وقف النار، والدعوة إلى حوار بلا شروط، في مكان لا يشكل استفزازاً لأيّ فريق كمسقط مثلاً، أو جنيف، وتطرح مبادرة قوامها حكومة موقتة توافقية، تشرف على انتخابات نيابية ورئاسية في مواعيد استحقاقاتها الدستورية، وفي حالة اليمن كليهما مستحق، وإنْ رفض الحوثيون فسيكون على من يحرص على اليمن أن يدين موقفهم، وفي المقدمة سيجد السعوديون أن حزب الله سيضمّ جهوده إلى جهودهم لإنجاح هذا الحلّ لأنه ليس من جماعة ازدواجية المعايير، وفي المقابل طالما تنطبق على موقف الحوثيين معايير الحرص على الحلّ السياسي، وطالما الرفض من جانب خصومهم المتمسّكين بدعم سعودي على حلّ عسكري بغطاء هشّ لدعوة باهتة لحلّ سياسي، ويعطلون كلّ فرص الحلّ المنصِف بإصرار يشبه إصرار المعارضة السورية بالدعم السعودي نفسه، والمخاطرة لهذا الغرض بأمن اليمن واليمنيين كما جرت المخاطرة بأمن سورية والسوريين، واستجلبت «القاعدة» وتجذّرت بفضل هذه الرعاية السعودية في سورية واليمن، فالمنطق يقول، إنّ معايير حزب الله التي برّرت واستوجبت تدخله في سورية إذا طبقت على اليمن تبرّر وتستوجب منه قتالاً إلى جانب الحوثيين في وجه التدخل السعودي المعطل للحلّ السياسي التوافقي والمصرّ على خراب اليمن وتدميره وتسليم ما أمكن من جغرافيته لـ«القاعدة».

(البناء)