Get Adobe Flash player

خلال يوم واحد خسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل أوراقه، ولم تعد ثمة حاجة لمناقشة الاختلال العقلي الذي يصيبه من زوايا ارتكاباته في منطقتنا. فالتعبير طغى يوم أمس على وصف ترامب في وسائل الإعلام الأميركية، وصولاً لما ورد في رسالة نواب ديمقراطيين وجمهوريين في الكونغرس الى نائب الرئيس مايك بنس لبدء مسار عزل ترامب بداعي الاختلال العقلي، ويكفي النظر لوضع ترامب خلال أربع وعشرين ساعة ورؤية حجم الضرر الذي جلبته حماقاته عليه، للتحقق من صدق الوصف بالاختلال العقلي.

 

كان ترامب قد حصل على حسم الحزب الجمهوري للقبول باعتماد ترشيحه للرئاسة في 2024، وكان ترامب قد نجح بدمج جمهوره المتطرف والغوغائي بجمهور الحزب الجمهوري، وكان ترامب يأمل بفوز المرشحين الجمهوريين بمقعدي مجلس الشيوخ، وكان ترامب يأمل بامتلاك فرصة التحكم بالكثير من البيئة المحيطة بالولاية الرئاسية للرئيس جو بايدن من خلال ما يستطيع فعله خلال ما تبقى من ولايته، لكن ترامب كان يطمح لما هو أكثر، فوضع خطة لقلب الطاولة تبدأ بتحرك حشود مؤيديه نحو الكونغرس لمنع حسم شرعية فوز بايدن التي يتولاها الكونغرس وفقاً للدستور.

ليس واضحاً بعد ما إذا كان الاختلال العقلي لترامب وراء مشهد اقتحام الكونغرس أم أن هناك من نجح باستدراج الاقتحام لإلحاق هذا “العار الديمقراطي” بترامب ودفع الحزب الجمهوري الى واجهة المواجهة معه، لكن الحصيلة هي الأهم في النهاية، فقد حمل ترامب مسؤولية المشهد الذي أصاب صورة الديمقراطية الأميركية المؤسسية بجرح بليغ ورسم شكوكاً حول قدرتها، رغم النجاح بتجاوز الأزمة هذه المرة، لكن السابقة حصلت، وهي تهديد الكونغرس من قبل أحد المرشحين الخاسرين، خارج إطار الاحتكام للمؤسسات الدستورية والقضائية، والسابقة صارت قابلة للتكرار.

الحصيلة أن ترامب وجد نفسه محاصراً داخل الحزب الجمهوري، وقد أجبر على دعوة مناصريه للذهاب الى بيوتهم، وأن نائبه بنس قام بإدارة عملية تثبيت رئاسة بايدن وبات المرشح البديل لترامب لرئاسة 2024، وأن جمهور الحزب الجمهوري قد انفصل كلياً عن جمهور ترامب الذي تحول الى شريحة ضيقة قادرة على المشاغبة، لكنها عاجزة عن صنع السياسة من دون الحزب الجمهوري، وهي الأقلية البيضاء المتطرفة، وأن الحزب الجمهوري خسر مقعدي الكونغرس في جورجيا وصار الديمقراطيون ممسكين بناصية البيت البيض والكونغرس بغرفتيه، ما يُضعف قدرة الجمهوريين على المشاركة في إدارة البلاد، وأن ترامب اضطر الى إعلان قبوله تسليم السلطة لبادين في الـ 20 من الشهر الحالي، والأهم أن سيف العزل بات مسلطاً فوق رقبة ترامب إذا ما غامر بالذهاب إلى اي مغامرة، فالوزراء وخصوصاً نائب الرئيس الذين لا بدّ أن يمر عبرهم أي تصرف احمق لترامب يتربصون به لبدء مسار العزل إذا بدرت ملامح اختلال عقلي جديد.

– سيذكّر التاريخ ترامب كرئيس أميركي أحمق، وسيطوي الأكاذيب التي روّج لها بصفته رئيساً تاريخياً، لكن أميركا ستبقى تجرجر أذيال ما فعله داخلياً وخارجياً، فالعالم الذي تركه ترامب من بعده لا يختلف عن أميركا التي يتركها، حيث الخراب يعمّ كل شيء والترميم يحتاج جرأة نادرة ربما ليست متاحة للرئيس الجديد، بحيث تبدو أميركا ويبدو العالم أمام إدارة الخراب أكثر مما يبدوان أمام خطة لإعادة البناء.