– جرّب الأميركيّون ومعهم كل الغرب توظيف غضب الشعب اللبناني على فساد مؤسسات الدولة وسوء السياسات المالية لمن تولّوا الحكم وإدارة الاقتصاد لثلاثة عقود، برعاية أميركيّة غربيّة خليجيّة، لتحويله إلى قوة ضغط من أجل تحقيق أجنداتهم، وهي تتصل أصلاً بالسياسة اتصالاً وثيقاً، ومحورها تغيير موقع لبنان القوي في مواجهة كيان الاحتلال وجيشه إلى خاصرة رخوة. وكان معيار النجاح بذلك هو تحقيق شرطين، الأول القدرة على نقل المناخ الشعبي الجامع والواسع من الغضب على السلطة إلى غضب على المقاومة، سواء وفق نظرية تحميل انخراطها الإقليمي مسؤولية منع المساعدات أو اتهامها بأنها تحمي النظام أو أنها تتولى تخريب الاقتصاد بالتهريب والسيطرة على عائدات الدولة. والشرط الثاني إقفال الطرق الأخرى والخيارات الرديفة التي يمكن أن تطرح لمواجهة الاختناق المعيشيّ الناتج عن الحصار الذي يفرضه الأميركيون وما يرتّبه من جفاف في موارد العملات الأجنبيّة وغلاء وشح في الموارد.

 

– خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي الذي ينضوي تحت لوائه صرف نفوذ حكام الخليج، بظهور ترابط سببي واضح بين كل محاولة لرفع منسوب السياسة في خطاب مجموعات مرتبطة بهم أسندوا إليها قيادة الانتفاضة ومكّنوها من السيطرة عليها بواسطة وسائل الإعلام المدعومة، وبيّن تراجع زخم الحضور الشعبي في الفعاليات التي تنظمها وتدعو إليها هذه المجموعات، من جهة، ومن جهة موازية بيّن ظهور انقسامات حادة داخل الجسم الشبابي للحراك الذي يضم مجموعات ترفض تسييس الغضب الشعبي، ومجموعات ترفض خصيصاً تحويل زخمه بوجه المقاومة، التي تشكل بنظرها آخر مَن يجب لومه على الأزمة الاقتصادية، أو التي تشكل عندهم خطاً أحمر في السياسة يجب الحذر من الاقتراب منه بلغة الاتهام والاستهداف لأنهم يدركون أن هناك من يريد تدبير هذا الانحراف في مسار الحركة الشعبية.

– خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي ومَن معه، بأن حقق خيار التوجه شرقاً والعرض الإيراني لتأمين المشتقات النفطية بالليرة اللبنانية والدعوة للنهوض الإنتاجي، اختراقات كبيرة عملياً بتقدّمه كخيار واقعيّ بديل عن انتظار التسوّل على أبواب الأميركيين والغرب وحكام الخليج، وسياسياً لجهة تحوّله إلى فرضية مقبولة لدى الأوساط الحكومية والسياسية التي كانت تضع رهانها على الموقف الغربي والعربي عموماً والأميركي خصوصاً، بعدما سئمت الانتظار بلا جدوى، فتحركت الاتصالات الحكومية الجدية وبدعم رئاسي وسياسي من مكوّنات الحكومة النيابية، وبتفهم شعبي، وفي ظل صمت الخصوم السياسيين وعجزهم عن الاعتراض والمواجهة، وبدا أن هذا الخيار سيتحوّل إلى وجهة جديدة يسلكها لبنان.

– أمام فشل الرهان على تحقيق الخطة التي رسمت لركوب الانتفاضة الشعبية والسطو عليها، وتوظيفها في مشروع حصار المقاومة، وسقوط فرص تحقيق الشرطين المطلوبين، انقلب الأميركي والغرب ومن معهم على معادلة الانتفاضة وسقفها القائم على الابتعاد عن السياسة والاكتفاء بالقضايا الاقتصادية والمالية عنواناً لها، وكان اختبار السادس من حزيران والتحرك المناهض للمقاومة وسلاحها تحت عباءة الانتماء للانتفاضة آخر الفرص التي منحت للجماعات التي يشغلها الحلف الأميركي الغربي الخليجي، وباءت بالسقوط المدوّي، وتبلور القرار البديل، العودة إلى ساحة الحضور المباشر بعروض دعم مالي مشروطة سياسياً علناً، وإعادة الحياة على اساسها إلى استقطاب 8 و14 آذار، الذي تم تجميد نصفه بقرار اصطفاف قوى 14 آذار تحت عباءة الانتفاضة وشعاراتها والتخلي عن السياسة ما أمكن لحساب ذلك، انطلاقاً من استقالة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري.

– من حسنات دعوة الحياد أنها أنهت مرحلة من التلاعب السياسي كان عنوانها تمويه القضايا الخلافية بخدعة تريد القول إن اللبنانيين مجمعون على أن مصدر أزمتهم هو وجود المقاومة، وأنها مثلت اعترافاً بالانقسام السياسي حول العناوين الكبرى، وكشف حقيقة أن الأزمة الاقتصادية والمالية مجرد عتبة مرسوم لها فرض تحوّلات في موقع لبنان من الصراع الإقليمي وعنوانه الرئيسي أمن كيان الاحتلال والتهديد الذي تمثله المقاومة لهذا الأمن. وهذا هو جوهر الوظيفة التي يُراد لدعوة الحياد تحقيقها، فمرحباً بالوضوح ولو أدى إلى الانقسام، وليكن التباري الواضح باللغة الراقية ليظهر كل فريق ما عنده ويطرح مشروعه في التداول، ولتتنافس المواقف والخيارات أمام عقول اللبنانيين، دون تمويه وخداع، بعدما أعلن الأميركي والغرب وحكام الخليج دفن الانتفاضة، والعودة إلى اصطفاف أيام قرنة شهوان، وهم يحاولون الانتقال إلى أيام لقاء البريستول.