nasser

ناصر قنديل

- التوقيت والقرار ضربتان موفقتان، فالقيادة الفلسطينية أحسنت التصرف بروح عالية من المسؤولية التاريخية، والحسّ التاريخي، بالإعلان عن وقف كلّ أشكال التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال.

- القرار يأتي بعدما استنفدت القيادة الفلسطينية كلّ وسائل الترغيب الممكنة لإقناع قادة كيان الاحتلال بفوائد تدعيم وجود سلطة وطنية فلسطينية، ولو عبر ارتكاب خطيئة تسليم مقاومين وناشطين واعتقال مناضلين فلسطينيين على يد قوات الاحتلال، بنتيجة المعلومات التي تحصل عليها قوات الاحتلال من قنوات التنسيق الأمني، والنتيجة أنّ «إسرائيل»، تمضي بعد عشرين سنة ونيّف على «اتفاق أوسلو»، في تدمير كلّ مقوّمات قيام سلطة فلسطينية، سواء عبر تقطيع الأوصال جغرافياً بواسطة الجدار العازل، أو إنهاء معالم الوجود السكاني المستقلّ للفلسطينيين في الضفة والقدس، عبر الإصرار على سياسة استيطانية تغيّر ملامح الهوية الديموغرافية للمناطق الفلسطينية، وفي السياسة ترسل «إسرائيل» بكلّ مستويات القرار فيها كلّ الرسائل التي تؤكد عدم وجود أيّ قرار بالسير في عملية سلام مهما كانت مشوّهة ومبتورة على الطريقة التي يعرضها الأميركيون.

- القرار تصحيح لخطيئة تاريخية ولو متأخراً، وإنصاف مشروع لمقاومين وناشطين فلسطينيين، يعيشون مرارة، التحسّب والتهيّؤ للوقوع بيد الأجهزة التابعة للسلطة الفلسطينية أكثر مما يهابون الوقوع مباشرة في يد قوات الاحتلال، والقرار ردّ اعتبار لوطنية أجهزة السلطة التي كان يطعن في وطنيتها، التنسيق مع الاحتلال ليضعها في منزلة ميليشيا عميلة، مهمتها حماية أمن الاحتلال وليس أمن مواطنيها من الاحتلال.

- القرار خطوة تردم الهوة بين الفصائل الوطنية والسلطة، ويضع قيادة حركة حماس ومشروع المصالحة الوطنية على المحك، ويحق للناشطين الفلسطينيين ولكلّ المعنيين بالقضية الفلسطينية، مساءلة حركة حماس على أيّ إبطاء أو تلكؤ في تلقف القرار وملاقاته بما يليق بحق الفلسطينيين ومقاومتهم برؤية مشهد فلسطيني موحّد في وجه الاحتلال.

- القرار هو توقيت، ولذلك فهو إضافة إلى تعبيره عن مسؤولية تاريخية، يشكل استجابة لحسّ تاريخي، ففلسطين كدولة مستقلة حظيت بمكانة لائقة في المنظمات الدولية، تحظى باعتراف دول غربية تزداد رقعتها تدريجاً، ويتعامل العالم مع فلسطين وقضيتها بعين مختلفة عما كانت عليه الحال خلال سنوات طوال، و«إسرائيل» المتعجرفة في عزلة تتسع وتتزايد مساحتها، وهذا هو التوقيت لتلقيمها حجراً من هذا العيار يسحب من سجلها شهادة حسن سلوك في غير مكانها، اسمها التنسيق الأمني، ويسمح بمعاملتها لاحقاً ككلّ سلطات التمييز العنصري.

- القرار بتوقيته يستثمر على التأزم في العلاقات الأميركية «الإسرائيلية»، وهو تأزم غير طارئ وليس عابراً، جاء بنتيجة الإصرار «الإسرائيلي» على مشهد شرق أوسطي تبقى فيه «إسرائيل» صاحبة اليد العليا والكلمة الأخيرة، في زمن استهلكت فيه واشنطن كلّ وسائل الحفاظ على مكانة «إسرائيل»، كما استهلكت سبل إضعاف حلف الأعداء المشتركين لأميركا و«إسرائيل»، وفرغت يدها، حتى وجدت الممرّ الإجباري لتخفيف الخسائر، بالانخراط في اتفاق تفاوضي مع إيران وتسليم بعودة سورية، ومكانة روسيا، وهذا الافتراق الأميركي «الإسرائيلي» بنيوي في المصالح، لخصه بنيامين نتنياهو بقوله أمام الـ»إيباك»، «إنّ الأميركيين يبحثون عن أمنهم وإسرائيل قلقة على حياتها» وهو افتراق ستتسع مساحته، عندما تدخل السياسات الأميركية الجديدة حيّز التنفيذ، وتبدأ نتائجها وتداعياتها بالظهور.

- القرار بتوقيته، يأتي و«إسرائيل» في أضعف لحظاتها عسكرياً، وليس فقط في أشدّ لحظاتها السياسية ضعفاً، فما نتج بعد مسلسل تعديل قواعد الاشتباك بين «إسرائيل» والمقاومة منذ عملية القنيطرة، وما أسفر عنه من رسوّ سفينة التجاذب على مرفأ قدرة الردع المقاومة، كما تشهد عمليات الجيش السوري جنوب سورية، حيث تدكّ معاقل «جبهة النصرة»، «جيش لحد السوري»، تحت نظر «إسرائيل»، وهي لا تجرؤ على فعل شيء.

- القرار عشية الانتخابات «الإسرائيلية»، يمنحه ذكاء التوقيت التكتيكي، فلربما ينجح الفلسطينيون هذه المرة في اللعب في التناقضات «الإسرائيلية» والتأثير في مساراتها وعناصرها المربكة والمشوّشة بعد عودة نتنياهو بخفي حنين من واشنطن.

- أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً، الوقت هو للشدّ على أيادي القيادة الفلسطينية، لمواصلة إجراءات تعميق الخيار الوطني الفلسطيني، باتجاهي المزيد من الوحدة والمزيد من الانخراط في خيار الصراع في وجه الاحتلال.

(البناء)