Get Adobe Flash player

عام 1960 أي قبل 60 عاماً قامت وحدات من المخابرات الأميركية بمحاولة إنزال على شواطئ كوبا، وانتهت المحاولة بالفشل كما انتهت المحاولة المماثلة التي شهدتها السواحل الفنزويليّة قبل أسبوعين، والعملية التي عرفت باسم منطقة الإنزال، خليج الخنازير كانت فاتحة لتطورات تصاعدية وصلت عام 1962 إلى أعظم أزمة عالمية كادت تؤدي إلى أول مواجهة نووية بين واشنطن وموسكو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان محورها نشر صواريخ نووية متبادلة سوفياتية وأميركية في كوبا وتركيا بالتوازي، لكن المواجهة كانت مرشحة للانفجار مع الحظر الذي فرضته واشنطن على السفن التي تقصد كوبا، ونشرها لمدمرات حربية في البحر الكاريبي لتطبيق قرار الحظر ومنع السفن السوفياتية الحاملة للصواريخ من بلوغ كوبا، وهو ما يحدث اليوم تحت عنوان منع وصول ناقلات مشتقات النفط الإيرانية إلى فنزويلا.

 

التحوّل الأول الذي تحمله الصورة الراهنة للنزاعات الدولية قياساً بما كان، هو أن واشنطن التي كانت تقود مشروع السيطرة بالصواريخ النووية على العالم، وقد بدأ انحدار زعامتها العسكرية بعد بلوغها ذروة القوة في منتصف فترة السنوات الستين الفاصلة، حيث كان عام 1990 موعد واشنطن مع التخلص من نفوذ موسكو، وفي العام 2020، بدأت واشنطن بإخلاء قواتها العسكرية من الكثير من نقاط التوتر، خصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، بحصيلة مواجهات كانت إيران في واجهتها وروسيا والصين في خلفيتها الداعمة لإيران ضمن حلف عالمي لإضعاف النفوذ الأميركي، تقاسم الأدوار في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

التحول الثاني هو أن التسلح النووي ونشر الصواريخ، رغم بقائهما جزءاً من الخطة الأميركية، إلا أن فشل المواجهات التقليدية التي خاضتها واشنطن، لم يدفعها لتصعيد نووي، كما حدث قبل ستين عاماً، بل جعلها تعتمد على سلاحها المالي، الذي تطور وتعاظم شأنه بعد أزمة الكاريبي، قبل ستين عاماً، وبعدما صارت الحركة المالية المصرفية عصب الحياة الاقتصادية الدولية، وصارت نيويورك مركزها العالمي، والدولار الأميركي أداتها الحصرية، وصارت العقوبات الأميركية المالية أشد وطأة وتأثيراً من العقوبات الأممية، بحيث يتكفل الحصار المالي الناجم عنها إلى تهديد أي بلد بمواجهة المجاعة، وانهيار العملة الوطنية، ووقف الصادرات، ومثال إيران وفنزويلا المنتجتين للنفط، والواقعتين تحت الحصار الأميركي المالي، يبرز حجم تأثير هذا السلاح الجديد الفاعل.

التحوّل الثالث، هو أن طهران التي خرجت في موقع الرابح بالنقاط على واشنطن في المواجهات الإقليمية في البلاد العربية والإسلامية، خصوصاً في سورية واليمن، تنتقل بالتحدّي إلى الساحة الدولية، وفي الحديقة الخلفية لواشنطن، فتقرّر تبادل المشتقات النفطيّة بالذهب مع فنزويلا، في أهم نقلة إيرانيّة على لعبة الشطرنج في مواجهة مع الحصار المالي الأميركي، الذي خرجت المدمرات الأميركية إلى الكاريبي لحمايته، بينما التهديد الإيراني بالردّ في حال التعرض للناقلات المتجهة إلى فنزويلا، ما يعيد مشهد المدمّرات الأميركية تنتظر في الكاريبي السفن السوفياتية، مع فارق حمولة السفن، وما تشير إليه من تغيّر مضمون عناصر القوة، من الزمن النووي إلى الزمن المالي، وميزة النقلة الإيرانية أنها تأتي في زمن تفشي كورونا، وصعوبة تسويق التجويع كسياسة دولية مقبولة في لحظة شديدة القسوة على الصعيد الإنسانيّ.

– الرد الإيراني المعلوم في حال التعرّض لناقلات النفط في الكاريبي، سيعيد التصعيد إلى المنطقة التي يرغب الأميركيون بالتهدئة فيها، وهي منطقة القوة الإيرانية، التي يتهم الأميركيون إيران بالسعي لاستدراجهم للمواجهة فيها، وكل ترجمة أميركية للتهديد، تصبّ الماء في طاحونة إيران بالذهاب نحو التصعيد بمشروعية حق الرد، وكل تراجع أميركي يفتح الباب لمعادلة بديلة للحصار المالي يكتشفها المحاصرون، وهي المبادلة السلعية ذات القيمة العالية، من دون المرور بالمصارف وبالدولار، والرئيس الأميركي المحرج بين الخيارين، محرج أكثر مع كورونا، ومحرج أكثر وأكثر مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ومشروع ولايته الثانية، وطريق التسوية مع إيران أو طريق مواجهتها، سالكتان كمشاريع احتمالية للفوز بالرئاسة، فيما النتائج غير مؤكدة، بينما إيران جاهزة للاحتمالين بصيغة رابح رابح مكرر. وقبل ستين عاماً فازت لغة التسوية بنزع متبادل للصواريخ، فهل تفتح أزمة الكاريبي مجدداً الباب لنزع صواريخ الحرب المالية، سواء بالذهاب للمواجهة التي ستعقبها تسوية أم بالذهاب مباشرة للتسوية؟