Get Adobe Flash player

أشياء كثيرة يكتشفها الناس على مساحة العالم مع هذا الزلزال الذي أصاب البشريّة مع تفشي فيروس كورونا، الذي لم يعُد أحد بمنأى عنه، ويتساوى بالضعف أمامه الكبير والصغير، القويّ والضعيف، الحاكم والمحكوم، الغنيّ والفقير، ويجتاح الدول المقتدرة والضعيفة، ولا تسري عليه معادلات التمييز العرقي والطبقي، بين الدول وداخلها. وأبرز فرص الاكتشاف هي حالة التأمل التي تفرضها الأوقات الطويلة التي ينتجها الحجز المنزلي الإلزامي الذي دخله الملايين من الناس، والأسئلة الوجوديّة الكبرى المنسيّة التي أعادت التجربة طرحها، وستكون للأجوبة التي راكمها الناس من عزلتهم، بصماتها على الفلسفة والفكر الإنسانيّ بكل تأكيد، بعد الخروج من المحنة، وصولاً للفن والثقافة والرواية والسياسة والاقتصاد، ويكفي تأمّل السكينة التي دخلتها الأرض ككوكب منهك بالتدخلات البشرية العنفية، ومن خلالها تراجع مستويات التلوّث في ظل الأزمة، وتدنّي حرارة الكوكب مجدداً لالتقاط الأنفاس بعد حروب استنزاف لا ترحم فرضها الشره والطمع وعادات الاستهلاك القاتلة، على الثروات البيئية والطبيعة والمياه والتربة والخضرة والثروات الحيوانية، ولن يكون سهلاً التغاضي عن رؤية نتائج هذه الهدنة الإلزاميّة التي فرضها كورونا لصالح الطبيعة، وتفادي مقارناتها العلميّة بما قبلها، قبل أن تستأنف البشرية دورة حياتها بعد الزلزال.

 

من الأشياء التي تغيّرت وستتغيّر حكماً، هي القراءات لمعادلة القوة والضعف في معايير الدول وتقييمها، حيث أظهر تفشي الفيروس تفلت المجتمعات الغربية من كل قيم مشتركة للتضامن وتحمّل المسؤولية وفساد النموذج الغربي الثقافي. كما أظهر معه تخلّف الإنفاق على هياكل الصحة والوقاية، واستسهال الاستثمار على المظاهر الفارغة للحياة على حساب الاهتمام بصحة البشر، التي تشكل القضية الأولى للعلم والرعاية الحكومية، وحيث البحث العلمي بدا متخلفاً هو الآخر ومنصرفاً لإبداع عادات استهلاكية جديدة وسلع جديدة أكثر منه استثماراً على القضايا الجدية للعلم وفي طليعتها الطب والدواء، بعيداً عن المتاجرة والطمع والجشع، بينما ظهر نموذج دولة مصنفة في العالم الثاني كالصين مبهراً في كل شيء، من التنظيم والثقافة والإدارة والقدرات العلمية، رغم أن الصين تنوء تحت عبء عدد سكانها الهائل، ورغم هول المفاجأة الكارثة التي وقعت على الصين ومنحت إنذاراً لسائر دول العالم، وها هي اليوم تسجل عدداً فعلياً للمصابين يعادل ربع العدد الفعلي للمصابين في إيطاليا ويعادل عدد المصابين في كل من ألمانيا وأميركا، ونصف عدد المصابين في إسبانيا وفرنسا، من دون أن يكون هناك تفسير سوى في نموذج الدولة والثقافة.

ظهر الاقتصاد العالمي الذي يفترض أنه بلغة الأرقام الدفترية، عملاقاً ضخم المقدرات، أشدّ هشاشة من الجسم البشري في مواجهة الأزمات. فخلال أيام من الأزمة فُقدت السلع الأساسية من الأسواق، وانهارت أسعار البورصات وضاعت مئات مليارات الدولارات من الثروات المستثمرة في سوق الأسهم. وتسهل المقارنة بين حال الاقتصاد الذي واجه المجاعة في الحرب العالمية الأولى، وحال اليوم، لرؤية تفوّق نظام المونة التقليديّ، والزراعة البيتيّة، والصناعات العائلية الصغيرة، واعتماد العملة الذهبيّة للتداول بالسلع، على نظام الاقتصاد الافتراضي الذي لا يشبهه شيء إلا الورق الذي يرمز إليه، والتطبيقات الإلكترونيّة التي تحمله، ليصير السؤال ببساطة مع أول أزمة، هل يمكن أن نأكل ورقاً أو تطبيقاً إلكترونياً، ويطرح على نطاق واسع النقاش حول ماهية النظام الاقتصادي الجديد الذي سيولد من رحم هذه الأزمة، وما يصعد إلى السطح مباشرة هو نقاش الدور التخريبيّ لوحش المصارف في اقتصادات العالم، بعدما تحوّلت من مصدر تمويل للتنمية، إلى عنوان للمضاربات الريعية التضخمية على الورق كبالون يكفي دبوس أو فيروس لتفجيره كفقاعة لا يبقى منها شيء، يضيع معها كل تعب العمر وشقاء السنين.

– بين الفلسفة والدين أيضاً كثير من التداخل في النقاش، حيث سقط نموذج الفكر الديني الكليّ الغيبية، القائم على الاتكاليّة بدلاً من التوكل، وبالمقابل وقف عاجزاً نموذج الإنكار للأبعاد الروحيّة والدينيّة فيما يواجه الإنسان خطر الموت بفيروس مجهول سريع التسلل والفتك لم يستطع العلم فك شيفراته ورموزه، ويشعر الناس بدنوّ لحظة الفراق ببساطة وبسهولة، ليتقدّم نموذج الدعوة للجمع بين العلم والدين باعتباره العلم الحقيقي والدين الحقيقي، بما يعنيه ذلك من دعوة لتحمّل المسؤولية عن الصحة الفردية بالعناية والانتباه والوقاية، وعن صحة الغير، باعتبارهما مسؤولية إنسانية وأخلاقية ودينية، وربط التوكل بالعمل، وفقاً لمعادلة «اِعقلْها وتوكَّلْ».