Get Adobe Flash player

التطورات الأخيرة التي طالت قضية مصير جزار الخيام العميل عامر الفاخوري تقول إن محاولات تهريبه باءت بالفشل، وإن الإفراج عنه بموجب قرار المحكمة العسكرية، لم يصل لغايته المنشودة وهي نقله إلى اميركا. والأرجح في هذه الحالة أن يبقى لمدة غير قصيرة في السفارة الأميركية، إلا إذا قررت واشنطن ارتكاب مخالفة جسيمة في العلاقات الدبلوماسية بنقله بطوافة عسكرية إلى قبرص، خلافاً للأصول القانونية التي تفترض خروجه من مطار بيروت بجواز سفر أميركي أو لبناني، لم يعد ممكناً بعد قرارات أمس القضائية، وتتويجها بمنع السفر، لكن الأهم في كل ذلك هو أنه أسقط نظرية الصفقة عن قرار الإفراج الذي صدر عن المحكمة العسكرية، أياً كان المقصود بالطرف الثاني فيها، طالما أن طرفها الأول معلوم وهو الأميركي، حيث إن الجهة المفترضة في الصفقة إذا كانت أبعد من قرار القضاة، فهي التزام بالإفراج الكامل، لن تنال ما وعدت به دون تأمين خروج العميل الفاخوري من مطار بيروت، وهو ما بات مستحيلاً، ولم يسجل أي مسعى خفيّ أو ظاهر لجعله ممكناً.

 

الطرف المحوري في الأمر هنا هو حزب الله، فالأكيد من جهة أولى أن تحرّك حزب الله ومساعيه لعبت دوراً رئيسياً في تعطيل النصف الثاني من قرار الإفراج وهو تأمين السفر. وهذا يعني استحالة أن يكون شريكاً في صفقة ويقوم بتعطيلها، فيخسر نصيبه منها، وما كان يلزمه لتتم هو التغاضي والتباطؤ فقط. والأكيد من جهة ثانية أن حزب الله يستحيل أن يكون شريكاً في صفقة ويصدر بياناً يكشف ظهر من نفذها باسمه إذا افترضنا أن رئيس المحكمة العسكرية فعل ذلك بتدبير سياسي مع الثنائي الشيعي، الذي تربط طرفيه علاقة وجودية لا تدع مجالاً للشك باللعب المنفرد لأيّ من طرفيه. فالكلام الوارد في بيان حزب الله حول قضاة المحكمة العسكرية ورئيسها هو تبرؤ كامل منهم، وإدانة أخلاقية ووطنية لهم، ولا يمكن بالتالي أن يقوله حزب الله بحق من أوكل إليه مهمة على هذا المستوى من الخطورة. في حال أخذنا بنظرية الصفقة، والأمر في حال التيار الوطني الحر والعلاقة مع حزب الله لا يختلف عما يصح في علاقة حزب الله وحركة امل، خصوصاً في قضية يتعامل الجميع مع كونها قضية حزب الله أولاً، كيف وأن حزب الله ومسؤوليه يجزمون بثقتهم بأن الأمر لا تحوم فيه أي شكوك حول الحليف الذي يمثله التيار الوطني الحر، رغم بعض تصريحات محيطة بمناخ التيار وبعض نوابه عبرت عن الاستخفاف في التعامل مع القضية، وصولاً إلى المؤسسة العسكرية بشخص قائد الجيش ومدير مخابراته يقف الحزب موقف النفي القطعي لفرضية تورط أي منهما أو أي من المستويات القيادية العسكرية في ترتيب القرار الذي صدر عن المحكمة العسكرية، وهذا يستحيل أن يُقال من باب تفادي الأزمات في قضية طالت مهابة الحزب ومكانته، وأظهرته كالزوج المخدوع آخر من يعلم، وهو بنظر محبيه وأعدائه معاً الحاضر دائماً والعارف ببواطن الأشياء قبل حدوثها.

ما سبق لا يجوز أن يعني أن الأمر بسيط أو أنه انتهى، فما جرى جاء حصيلة ثغرات تراكمت منذ زمن، وظهرت بوادرها في قدوم العميل الفاخوري، وما سبق قدومه من ترتيبات، وما أصاب القضاء والأجهزة من ارتباك في التعامل مع قدومه. وكما كان غياب النص القانوني الذي يمنع مرور الزمن على جرم العمالة واحداً من ثغرات قدوم الفاخوري كانت مفردة القرار في الإفراج عنه، من دون أن يتم سد هذه الثغرة قانوناً خلال شهور أعقبت قدومه، والاسترخاء والإطمئنان كانا يطبعان التعامل مع الملف رغم كلام كثير يُقال هنا وهناك، عن وجود مخطط للإفراج عنه، ورغم وجود حركة أميركية نشطة ومواقف بسقوف عالية للضغط للإفراج عنه، وكلام عن رصد مبالغ مالية، وتهديد بعقوبات تطال أعضاء المحكمة العسكرية وعائلاتهم، ورغم كل ذلك لم نشهد خلية أزمة بين الحلفاء في حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر تضمّ خبرات قانونية وسياسية وأمنية تناقش الملف وتضع تصوراً موحداً في التعامل معه، بينما يسمع الناس حديثاً من هنا عن مبادلة للفاخوري بشخصيات مقربة للمقاومة تحت الاعتقال التعسفي الأميركي، وحديث من هناك عن سحب الجنسية بما يؤدي إلى تسهيل الإفراج، ومصادر الكلام من أصدقاء المقاومة، ما خلق مناخاً نفسياً يستسهل نظرية الصفقة لمجرد سماع نبأ القرار القضائي المشؤوم.

عندما قرأت في بيان حزب الله تعقيباً على الحدث بأنه يوم حزين، كان تعليقي أن سبب كونه حزيناً بالإضافة للحدث نفسه، أن حزب الله كقائد للمقاومة لم يكن على علم بما جرى، وقلت في نفسي إن الحزن كان أقل والوطأة أخفّ، لو كان حزب الله وراء تدبير ما يفسّر ما جرى، كنت واثقاً أنه سيكون مشرفاً حكماً، وعندها سيخرج الحزب لمكاشفة جمهوره واللبنانيين بأسباب ومندرجات قراره بتسهيل الإفراج لاعتبارات ستكون وطنية قطعاً، تطال مصائر شهداء وأسرى في كيان الاحتلال وأميركا وفرنسا، وربما تطال تجنيب لبنان عقوبات وأزمات، سيتفهم الناس التضحية لتفاديها، وكنت لأتفهّم ذلك وأتقبّله وأدافع عنه، لثقتي بأن الأمانة على دماء الشهداء بين ايدي من هم أهل لهذه الأمانة وعلى رأسهم سيد المقاومة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

– الضربة موجعة، لكنها غير قاتلة، والعبرة أن نأخذ منها الدروس، وأهمها أن الأميركيين ظهروا أكثر منا جديّة في متابعة ملفهم وتفوّقوا علينا بالتفاصيل.