قد يصعب على الكثيرين استيعاب حقيقة أن الجيش الثاني في حلف الناتو قد مُني بهزيمة هي الأسرع التي يمكن أن يتلقاها جيش مثله، في ظروف حشد لها كل مقدراته السياسية والعسكرية، وشحذ لها كل التعبئة الداخلية والخارجية. فخلال الأيام التي أعقبت دخول الجيش السوري إلى الريف الغربي والشمالي لحلب منتصف شهر شباط الماضي، بدأ التحضير للحملة العسكرية التي أعلن الرئيس التركي رجب أردوغان عن موعدها مسبقاً في نهاية شهر شباط، وحدّد لها هدفاً هو إعادة الجيش السوري إلى خلف نقاط المراقبة التركية، قاصداً بالتحديد تراجع الجيش السوري من مدينتي سراقب ومعرة النعمان، وفرض هذا التراجع بالقوة كشرط لوقف الحملة.

 

خلال خمسة عشر يوماً استنفر أردوغان كل وحوش جبهة النصرة والتركستان والشيشان والإيغور وقام بضمّهم إلى نخبة كوماندوس جيشه، وأدخل مئات الآليات وآلاف العناصر إلى منطقة المعركة، وجهّز طائراته المسيّرة الحديثة من الجيل الخامس، وربّض مدافعه وجدّد إحداثياتها، ووظف سقوط قتلاه بالقصف السوري في منطقة جسر الشغور لاستنهاض الروح القومية حول الجيش، لخلق حالة تعبوية داخلية تحاصر كل صوت معارض للحرب، وخاطب حلف الناتو طلباً للدعم، ورفع وتيرة مواقفه السياسيّة تجاه دعوة روسيا للحياد منعاً للتصادم، وجهّز مخابراته لاستعمال قضية النازحين للضغط على أوروبا، وعندما بدأت العملية العسكرية نحو سراقب كانت طائراته ومدفعيّته تنجحان باستهداف وإصابة عشرات المواقع للجيش السوريّ وقوى المقاومة، بما فيها المنشآت الصحية، موقعاً عشرات الشهداء ومئات الجرحى، قامت في ظلالها وحداته المستعدّة بالتقدم نحو مدينة سراقب، وارتكاب مجازر وحشية بحق المقاتلين الذي وقعوا في الأسر، والتمثيل بجثث الذين سقطوا شهداء وتعرّضوا لأبشع أنواع التنكيل.

خلال ليلة واحدة بدات العملية المعاكسة لاسترداد سراقب وامتدت من بُعيد منتصف الليل بقليل حتى ساعات الفجر، وخلال أربع ساعات فقط هزم الجيش العثماني، المكوّن من الجيش التركي كنواة، ومن ملحقات من جنسيات مختلفة من عتاة القتلة الإرهابيين، وفشلت التغطية النارية بتأمين القتال التراجعيّ فكان الانسحاب العشوائي وما فيه من خسائر، ومع الصباح كانت وحدات الجيش السوري وحلفائه في المقاومة تتوضع في كل أحياء وأنحاء سراقب، ومن دون استراحة محارب تواصل هجومها نحو النيرب، لتأمين إعادة فتح الطريق الدولي، وسط تراجع متواصل وانهزامي للجيش العثمانيّ؛ بينما على جبهات الطريق الدولي بين حلب واللاذقية يحصد الجيش السوري مزيداً من الانتصارات، مستعيداً ما كان قد خسره مع الهجوم العثماني الموازي، مستكملاً ما كان في خطته قبل ساعة الصفر العثمانية.

ما جرى ليس عادياً ولا بسيطاً ولا تكتيكياً، إنه انتصار الدولة الوطنية السورية، ومشروع المقاومة على مشروع مزدوج، قطبه الأول أميركي يريد ترك الفوضى وراءه بعد الانسحاب بفتح الباب لقتال لا يتوقف بين ما يعتقده مشروعين إمبراطوريين إيراني وتركي لتغيير خرائط سايكس بيكو، واستبدالها بتقاسم نفوذ يعيد أمجاد الإمبراطوريتين ويطبق خرائط برنارد لويس البديلة القائمة على ثنائية مذهبية، وقطبه الثاني تركي عثماني يراهن على الخاصرة الرخوة في مناطق التجاذب الأميركي الروسي لوضع اليد عليها، وتوسيع نطاقه الجغرافي ترجمة لحلم تاريخي فاتت فرصته قبل قرن مضى مع سقوط الإمبراطورية العثمانية وعجزها عن سلخ المزيد من جغرافيا سورية والعراق.

فات أصحاب المشروعين الأميركي والتركي، أن تفوّق إيران في المنطقة ناجم عن فارقين يميزانها عن المشروع التركي، الأول أنها لا تملك مشروعاً لتوسيع النفوذ الإيراني بل مشروع لمحور مقاومة يضم حلفاء يؤمنون بأولوية المواجهة مع المشروع الصهيوني في المنطقة، لا يزال التركي يرفض الانضواء ضمنه. وهذه الأولوية تجعل الحلفاء حلفاء فعلاً، لا مجرد أتباع لمشروع استعماري جديد، والثاني أن إيران تستثمر لتعزيز محور المقاومة على دعم مشروع الدولة الوطنية في البلدان التي تدور فيها وحولها الحروب، من لبنان إلى اليمن والعراق وصولاً إلى سورية، التي تجد فيها النموذج الأهم لترجمة هذا المفهوم، ولأن في سورية مشروعاً حاضراً وقوياً للدولة الوطنية، يحظى بدعم شعبه ويمتلك جيشاً مقتدراً، فإن نوعاً جديداً من الحروب يدور اليوم عنوانه بالنسبة للحلفاء الروس والإيرانيين، دعم الدولة الوطنية السورية، لذلك يتفوق المقاتلون في محور المقاومة بمعنوياتهم وصدق قضيتهم على مَن ظنّ الأميركي والتركي أنهم أقدر على تحقيق النصر.

نصر سراقب يقول إن لا قضية تستحق بالنسبة للتركي ليموت من أجلها في سورية، وإن من يقاتلون مع الجيش التركي في الجيش العثماني يعرفون أنهم عملاء بلا قضية، بينما يستبسل السوريون في الدفاع عن وطنهم وأرضهم ودولتهم الوطنية، ويستشهد مقاتلو المقاومة دفاعاً عن محور يعلمون يقيناً أنه ضمانة ميزان رادع لـ«إسرائيل» وركيزة إسناد للمقاومة في فلسطين، تشكل سورية قلعته الرئيسية على خط الاشتباك مع كيان الاحتلال، ونقطة الوصل بين أطرافه، وتقع المواجهة مع الجيش العثماني في قلب أهدافه لحماية هذه القلعة وإسقاط الرهانات الإسرائيلية على إرباكها.

– التسوية تزداد صعوبة بالنسبة لأردوغان بعد الهزيمة، وصعوبة تحقيق نصر جديد مع انهيارات تصيب بنية جيشه العثماني المنهزم أمام تقدّم الجيش السوريّ وحلفائه رغم ضراوة النيران، وسيصبح الحديث عن تسوية ممكناً إذا ارتضى أردوغان التسليم بعنوان هو الدولة الوطنية السورية، تخضع له سائر العناوين. وهذا ما ينتظره في موسكو قبل الهزيمة وبعدها، وسيبقى!