Get Adobe Flash player

يعرف الرئيس التركي رجب أردوغان أنه لو بقي صامتاً أمام تقدم الجيش السوري في حملته التي حررت الطريق الدولي بين حلب ودمشق، واتجه في حملة ثانية لتحرير طريق اللاذقية حلب، لكان المقرّر للعمليات العسكرية فتح باب مصير مدينة إدلب عبر تطويقها، ومنح النظام التركي دوراً في سحب السلاح الثقيل منها والتمهيد لحل سياسي يقضي بتسيير دوريات روسية تركية فيها، لأنه يعرف بالحرف والنقطة والفاصلة ما تمّ الاتفاق عليه في اللقاءات التي جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبالتفاهمات التي أنجزها عسكريّوه مع العسكريين الروس. كما يعرف بالنقطة والفاصلة والحرف أن العملية العسكرية جاءت بعدما تلكأ أو أعلن عجزه عن تنفيذ ما تعهّد به بالنسبة للطريقين الدوليين ومصير الجماعات الإرهابيّة الممسكة بهما.

 

تحرّك أردوغان عسكرياً، لأنه وقع ضحيّة الفخ الذي ورّطه به الأميركيون عندما أبلغوه أنهم يهمون بالانسحاب من المنطقة انطلاقاً من أفغانستان، وأنهم يعتمدون عليه لملء الفراغ في سورية بعد انسحابهم منها، وأن عليه الإمساك جيداً بالمناطق الشمالية الغربية ليتسنى له الدخول إلى المناطق الشمالية الشرقية حيث تتمركز القوات الأميركية، فانقلب على التفاهمات بعدما أدرك أن الانتصارات العسكرية للجيش السوري المدعوم بالنيران الروسية وبالمشاركة الفعالة من قوى المقاومة قد نتج عنها انهيار شامل في وضع الجماعات الإرهابية، وبات تدحرجُ الانتصارات يهدد بسقوط الإمارة التي بناها للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة تحت رعايته، فبدأ بزج قواته لمنحها المعنويات اللازمة للصمود، وعندما اكتشف عدم كفاية ذلك قرّر دخول المعركة إلى جانبها أو بالنيابة عنها، إذا اقتضى الأمر.

كان واضحاً لأردوغان أن روسيا ليست على الحياد، وأنها تقف مع الجيش السوري في مواجهة الجماعات الإرهابية، وتتفهم رفض سورية للوجود التركي على أراضيها ووصفه بالاحتلال، كما كان واضحاً له أن الدعم الأميركي والأطلسي لن يتخطى حدود التشجيع السياسي، لكنه كان يظن أن وقف تقدّم الجيش السوري في ظل هاتين المعادلتين ممكن، وأن تحقيق نصر معنوي وجغرافي يقطع طريق مواصلة النصر متاح، وأن فرض هذا الأمر في الواقع الميداني، يقع في منطقة رمادية يمكن ألا تضعه في مواجهة شاملة مع روسيا، وألا تختبر سلبية الأطلسي بصورة فاضحة، بل ربما تستنهض الأطلسي من جهة، وتفتح الباب لرهانات جديدة، ولمساعٍ سياسية روسية تنطلق من الوقائع التي فرضتها المعارك.

المعركة التي كان يحتاجها أردوغان محدودة في المكان والزمان، مطلوب أن تكون ذات قيمة استراتيجية، وأن تُحسم خلال أيام، ولذلك كانت سراقب. فسراقب نقطة تقاطع الطريقين الدوليين بين حلب وحماة وحلب واللاذقية، وسراقب أبرز مدن محافظة إدلب، وتتخطّى أهميتها الاستراتيجية إدلب نفسها بكثير، والرهان على طائرات الدرون المسيّرة من الجيل الخامس في التمهيد للهجوم، وبالقصف المدفعي الكثيف وإعطاء الأمر لوحدات الكوماندوس تساندها نخبة جماعات جبهة النصرة والشيشان والتركستان والإيغور للتقدّم بسرعة ووحشية وعنف وضراوة، وهذا ما تمّ على مدى ثلاثة أيام متتالية، سقط خلالها عشرات الشهداء للجيش السوري وحزب الله والحلفاء، وتحقق للقوات التركية وحلفائها من الجماعات الإرهابية المتنوّعة خرقاً مهماً في جبهات سراقب. وحملت صور الفيديو المسجّلة عمليات فاضحة لنوعية المهاجمين وارتكاباتهم، فظهرت شعارات داعش واضحة لعناصر يتنقلون بمدرعات الجيش التركيّ، وظهر الجنود الأتراك وهم يحزّون رؤوس الشهداء، ويقطعون أوصالهم.

خلال أربع وعشرين ساعة كانت المعركة الفاصلة، وقال فيها الجيش السوري وحزب الله وقوى المقاومة كلمتهم الفاصلة، ومعهم النار الروسية، خلافاً لما يتمّ ترويجه عن تخلٍّ روسي في المعركة، وحسمت المعركة بين منتصف ليل أول أمس وفجر أمس، وعادت كامل المدينة إلى عهدة الجيش السوري، وسقط حلم أردوغان، فعاد للحديث عن وقف للنار؛ بينما الجيش السوري يمشّط سراقب، ويواصل تقدّمه على جبهات جبل الزاوية ضمن خطة عملياته لفتح طريق اللاذقية حلب، وربما ينجح بإحداث إنجاز كبير قبل أن يحين موعد قمة أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سيفاوض من موقع القوة بعد فشل الخطة التي توهّم أردوغان أنها ستدخله على حصان أبيض للقاء بوتين، والأهم هو ما قالته المعركة من نتائج حول توازن القوة بين الجيش السوري من جهة، وثاني جيوش الناتو من جهة مقابلة، في صورة تشبه معارك جنوب لبنان خلال عدوان تموز 2006، وتستعيد اسم ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية.

– ظهر الجيش السوريّ ومعه قوى المقاومة كجيش لا يُقهر مرة أخرى، وظهر أردوغان كأحمق لا يتقن فنون الحرب والسياسة مرة أخرى أيضاً.