nasser

ناصر قنديل

كتب وزيرا الخارجية الفرنسي رولان فابيوس والبريطاني فيليب هاموند مقالاً مشتركاً في صحيفتي «لوموند» الفرنسية و»الحياة» العربية أمس الجمعة جاء فيه:

«للحفاظ على أمننا القومي علينا هزيمة «داعش» في سورية، ونحن بحاجة إلى شريك في سورية للعمل معه لمواجهة المتطرفين».

وقالا إنه من المرجح أن تشمل حكومة الوحدة «بعض أقسام هيكل النظام الحالي والائتلاف الوطني السوري وغير هؤلاء من المعتدلين، ممّن يؤمنون بسورية تمثل الجميع وتحترم مختلف أطياف المجتمع السوري. إلا أنه من الواضح لنا أنّ الأسد لا يمكن أن يكون طرفاً في أي حكومة كهذه».

وأضاف الوزيران أنّ الرئيس السوري «عبر وسائل الإعلام الغربية، يستغلّ فظائع المتطرفين ليطرح نفسه شريكاً لنا في مواجهة فوضى بلاده. ويبدو أنّ البعض يميلون إلى ذلك».

وأكدا «لم يعد الأسد المسيطر على زمام الأمور في بلده، إذ خسر أراض في شمال البلاد حيث تقاتل بشكل شجاع جماعات المعارضة المعتدلة، وفي شرقها لا يبدي الأسد أيّ مقاومة لعناصر «داعش»، وفي شمال غربي البلاد أحكم موالون لتنظيم «القاعدة» قبضتهم على المنطقة وباتت حدود البلاد مخترقة من الجهات كافة».

وتابع هاموند وفابيوس أنّ «اقتراح الأسد حلاً لمواجهة المتطرفين يعني عدم فهم مسبّبات التطرف، إذ بعد سقوط 220 ألف قتيل واضطرار ملايين السوريين إلى النزوح من بيوتهم، من الغباء والسذاجة افتراض أنّ غالبية السوريين على استعداد للعيش بإرادتهم تحت سيطرة من أحال حياتهم عذاباً».

- اختار الوزيران طريق المعالجة في الفكر السياسي للموقف من سورية ورئيسها، وأنا في مقالتي هذه اخترت التحدّي الفكري معهما، وأعلم أنّ سفارتيهما ستقومان وفقاً لمهام كلّ السفارات بترجمة ونقل ما سأكتب وإرساله لكونه مقالاً لرئيس التحرير في صحيفة يومية تصدر في البلد الذي تعمل السفارتان على نقل اتجاهات الرأي العام فيه إلى حكومتيهما وخصوصاً إلى وزيريهما، وبالأخصّ عندما يتعلق الأمر بما يكتبه الوزيران شخصياً، فيصير شأناً يخصّ كل من الوزيرين يرسل تلقائياً، كما تقول التعليمات في بروتوكول عمل السفارات، إلى مكتب الوزير مباشرة، في نسخة عنوانها، خاص وعاجل، ولذلك سأعتبر الكاتبين فابيوس وهاموند محاورين ومساجلين فاشلين إذا تجنّبا مناقشة الأفكار التي سأوردها، ونشر موقفيهما في مقال لاحق في الصحيفة التي استكتبت على صفحاتها نخباً من المفكرين، وقد منحتهما شرفاً عليهما إثبات أهلية بلوغه بالكفاءة الفكرية والثقافية، أيّ بالسجال، وليس بقوة المنصب.

- بمعزل عن الجمل الإنشائية غير القابلة للصرف التي تشكل أغلب المقال، والتي لا تستحق المناقشة، لانتمائها إلى عالم الخيال الذي تعيشه حكومتا فرنسا وبريطانيا تجاه الوضع في المنطقة، وخصوصاً في سورية، وبمعزل أيضاً عن مناقشة سياسات هاتين الحكومتين ودورها في استجلاب الإرهاب، ودور الوزيرين وخصوصاً لوران فابيوس في الاحتفاء بقدوم من أسماهم «مجاهدي الحرية» على الحدود التركية السورية، وهم الذين صار اسمهمم اليوم «داعش»، سأكتفي منعاً لتحويل النقاش إلى مهاترة، وحرصاً على حشر الوزيرين ومقالتهما في زاوية واحدة، لا مفرّ لهما من الإجابة عليها، من موقع أننا مختلفون في كلّ شيء، ولأنّ الإصرار على إيراد الكلّ شيء، يعطيهما فرصة نجاة لا أريدها لهما، لذلك سأتغاضى عن كلّ قضايا الخلاف وأتخطاها، وأسير بمنطق الوزيرين، لأصل إلى الاستنتاج المنطقي لمقدماتهما، وأبني خلاصتي التي أتحداهما بقبولها أو نقضها، إنْ كانا من أهل الفكر أو من أهل الشجاعة.

- ترتكز مقالة الوزيرين على فكرتين، الأولى أنّ الرئيس الأسد ومن معه في الدولة والجيش والشعب في سورية يشكلون أقلية تتضاءل تدريجاً، والثانية أنّ غالبية السوريين لن يرضوا بإرادتهم العيش في ظلّ حلّ يكون الرئيس الأسد جزءاً منه.

- يرى الوزيران أنّ مواصلة الحرب عبث لا يخدم مصالح غالبية السوريين، ومواصلة الحرب لسنة إضافية سيعني تكراراً لما حملته السنوات الأربع الماضية من مآس وخراب ودم ودمار، وطالما أنّ الشريك المفترض في الحلّ السياسي من النظام ليس برأيهما الرئيس الأسد، فهذه رغبة عمرها أربع سنوات ولم تتحقق، فهي فانتازيا تشبه فانتازيا المعارضة المعتدلة التي يتفاءل بها الوزيران ويعترضان على ما وصفها به حليفهما وصديقهما الرئيس الأميركي باراك اوباما كفانتازيا أضاع جهده ثلاث سنوات لاكتشافها وفشل، فما العمل غير الرهانات التي لا يملك أحد فرصة إثبات جدواها، طالما أنها تستدعي قبول الرئيس الأسد بالتنحّي، وهو حلم لم يتحقق لأصحابه رغم مرور السنوات، فهل على السوريين الذين يحبّهم الوزيران أن يتحمّلوا المزيد من العذاب، لمجرّد أنّ الوزيرين يتمسّكان برأيهما وتقديراتهما، ولا يريان أنها تحتاج إلى إثبات بواسطة الآلة التي اكتشفتها الإنسانية للبشرية واسمها الديمقراطية؟

- اسأل الوزيرين، هل تريدان فرض إرادتكما كمستعمر أجنبي على الشعب السوري أم تفترضان صدق ما تقولانه وتدّعيان أنه إيمان عميق لديكما؟ وأنا بناء على ما قرأت، فهمت أنكما واثقان إلى حدّ اليقين من ضعف الرئيس الأسد ومن أنّ غالبية الشعب السوري ضدّه، ولذلك أين اختفت العبقرية السياسية والفكرية والديبلوماسية للوزيرين المفكرين، لاجتراح حلّ قوامه، إنفاق السنة التي تفصلنا عن ربيع العام المقبل في ظلّ وقف للقتال، وتهيئة دولية مع الفريقين السوريين، الحكومة والمعارضة، برعاية المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، لتكون الانتخابات النيابية المقبلة في سورية، في نيسان العام المقبل، تتمّ في شروط تتناسب مع المعايير الدولية، والمعلوم وفقاً للدستور السوري المأخوذ عن نصوص الدستور الفرنسي في غالبية أحكامه، وفيه، أنّ من ينال ثلثي البرلمان يستطيع السير في تعديل الدستور بما في ذلك تقصير مدة ولاية الرئيس، ولو لمرة واحدة ضمن أحكام موقتة، وتعديل صلاحياته، كما تعديل سائر أحكام الدستور.

- أتحدّى الوزيرين مناقشة هذا الحلّ الذي يتمّ بالشراكة مع الرئيس الأسد، لمدة عام مشروط بنتائج انتخابات برلمانية توضع لها كلّ الضمانات، والإجراءات، التي تتيح للملايين الذين يخشى إحباطهم الوزيران، ليختاروا من يمثلهم بكامل الحرية، ويقرّرون مصير بلدهم، وبالتأكيد لن يمانع الوزيران إذا اكتشفا أنّ غالبية السوريين تساند الرئيس الأسد، لأنهما ديمقراطيان أصيلان، ينفطر قلب كلّ منهما على الشعب السوري ولا يريد أن يراه إلا وهو يمارس اختياراً حراً لمن يمثله ومن يتولى إدارة شؤون بلده.

- حلّ لا مزيد من الدماء فيه، ويحكتم لإرادة الشعب السوري، بتشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات بالتشارك، بين الحكومة والمعارضة، تشرف على تنظيم العملية الانتخابية بمعونة برلمانات العالم وشراكتها في توفير الضمانات اللازمة لعملية نزيهة وشفافة، وتكافؤ في الفرص بين المرشحين والناخبين.

- توضيح للوزيرين، ليس الرئيس الأسد من ذهب إلى برلمانييكم ولا إلى إعلامكم، بل هم من جاؤوا إليه.

(البناء)