Get Adobe Flash player

لم يعرف العالم دولة مثل إيران تحرص على بقائها ضمن حدود الأهداف والضوابط السلمية لملفها النووي، وتملك كامل المقدرات لنقله إلى المستوى العسكري وحمايتها، وتلقى بالمقابل هذا المستوى من الصدّ والتيئيس لفرصها بشرعنة هذا الحق المكفول نظرياً وفقاً للقانون الدولي والمواثيق التي ترعاها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقد واجهت إيران عقوبات أممية قاسية تحت عنوان الشك في وجود نيات لأبعاد عسكرية لملفها النووي، وبقيت تعاني سنوات من هذه العقوبات، وتدفع من نموها الاقتصادي ورفاه شعبها ثمن صمودها، حتى توصلت عن طريق التفاوض إلى التفاهم الذي وقعته وصادقت عليه الأمم المتحدة، والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا والاتحاد الأوروبي، وقبلت إيران في التفاهم شروطاً تقييدية لقدراتها النووية السلمية تعادل أضعاف القيود القانونية للوكالة الدولية إثباتاً لحسن النيات، وأملاً بالوقوف تحت مظلة دولية دبلوماسية قانونية.

 

خلال سنتين من تطبيق التفاهم أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومثلها عواصم الدول المعنية بما فيها واشنطن التزام إيران بتطبيق صارم لموجباتها في التفاهم، كما أكدت عدم وجود أي مخاوف من شقّ عسكري للملف النووي الإيراني، ومنذ سنتين وعلى مراحل تصعيديّة خرجت واشنطن من التفاهم دون أي عذر يتّصل بإخلال إيران بموجباتها، بل بترجمة مباشرة للخلاف السياسي مع إيران حول أوضاع المنطقة وخصوصاً الموقف من “إسرائيل”، وواصلت إيران التزاماتها رغم العقوبات المشدّدة التي لحقت باقتصادها، لكن المؤسسات الدولية والدول الكبرى التي تشكل العمود الفقري في هذه المؤسسات والموقعة جميعها على التفاهم النووي مع إيران، بقيت وهي تؤكد لا قانونية الإجراءات الأميركية العدائية على إيران، تقول إنها عاجزة عن السير بموجباتها تجاه إيران وفقاً لنصوص التفاهم، والسبب الخوف من العقوبات الأميركية.

– يأتي اغتيال القائد في القوات المسلحة الإيرانية الجنرال قاسم سليماني بإعلان رسمي من الرئيس الأميركي، ويؤكد أيضاً ان العالم الذي يرى الخطوة الأميركية عملاً غير قانوني، واعتداء سافراً على إيران، لا يجرؤ على فعل شيء، بل يجامل واشنطن ويتفادى إزعاجها وتنصبّ الدعوات نحو طهران للمطالبة بضبط النفس، ووصولاً لمطالبتها بالامتناع عن الرد على الاغتيال، والخلاصة واضحة أن العالم يخشى القوي ويخضع لقوانينه، وأن الملتزم بالقانون لا مكان له في الحسابات الواقعية، وسيبقى جانبه مهيضاً، وينظر إليه كجهة مطالبة أحادياً بالتنازلات كلما حضرت معادلة اسمها “الحرص على الاستقرار”، وإيران تستنتج مرة بعد مرة أن قرارها الصادق والمؤسس على عقيدة دينية، بعدم امتلاك قنبلة نووية، تملك القدرة على إنتاجها، يتحول إلى عبء على حق شعبها بالعيش، وعلى أمنها المعرّض للانتهاك، وعلى كرامتها الوطنية المعرضة للطعن، والأهم أن في إيران من بات يتساءل: هل بات طريق حفظ الاستقرار والسيادة والكرامة معاً هو امتلاك القنبلة بدلاً من الامتناع عن امتلاكها؟

 – السؤال الذي تتداوله اوساط مهمة فيا لنخبة الإيرانية اليوم، هو ماذا لو كان لدى إيران قنبلة نووية، هل كان ليتجرأ ترامب على التمادي، وهل كان الاستقرار الذي سيهتز اليوم في المنطقة حكماً معرضاً للاهتزاز، والجواب الذي لم يتوضح بعد كان قد لمح إليه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بقناعته أن أقصر طريق لدفع إيران لامتلاك القنبلة هو إشعارها بخطر الحرب.  فالمسافة التقنية بين إيران والقنبلة أقصر بكثير من المسافة العقائدية، ومتى سقطت العقدة العقائدية وصارت فتوى الإمام الخامنئي أن امتلاك القنبلة شيء واستخدامها شيء آخر وأن التقييد الشرعي يطال الاستخدام وليس الإنتاج، لا بل إن إنتاج القنبلة ضامن للسلم ورادع للعدوان، سيتغيّر الكثير وبسرعة، وسيكتشف الذي تهاونوا مع العبث الأميركي بأمن المنطقة وتوازناتها واقتصادها، أنهم دفعوا إيران نحو الطريق الذي كانوا يظنون أنهم يبعدونها عنه.