Get Adobe Flash player

يدور نوع من حوار طرشان بين مقولتي حكومة تكنوقراط وحكومة سياسية، وفي الحوار يردّد الشارع بمثقفيه وطلابه وجامعييه ومعهم مواطنون كثيرون الدعوة لحكومة تكنوقراط، ويظنّون بصدق أحياناً كثيرة أنهم يضعون أيديهم على الجرح، فقد سئموا وزراء يديرون وزارات لا يفهمون بموضوعها، وأحياناً لا يكونون فيها إلا ظلاً لأحزابهم ومرجعيّاتهم، لتسسير خدمات المحسوبيات والمحميات، في التعيينات والمصالح والصفقات، وعندما ينتبهون أن ثمة تكنوقراط ينطبق عليهم هذا الدور الفاسد، يستدركون فيضيفون إلى وصفة التكنوقراط، إضافة من غير الأحزاب الحاكمة، أو بتعبير أوسع من خارج الطبقة السياسية، ويظنون أنهم أضاءوا بذلك شمعة ديوجين، ويصرخون، لقد وجدتُها .

 

على الضفة المقابلة يجلس السياسيون من الحكام، ويقولون إن في لبنان حيث النظام ليس رئاسياً، تناط السلطة السياسية بمجلس الوزراء مجتمعاً، وتعبّر عن نتائج الانتخابات، وكل وزير ليس معنياً فقط بشؤون وزارته بل بالمشاركة في النقاش والتصويت على قرارات تتصل بالسياسة العامة للدولة. وإذا غابت عنه الصفة التمثيلية على هذا الصعيد صار القرار السياسي في مكان آخر، إما بيد رئيس مجلس الوزراء أو بيد رئيس الجمهورية، أو بيدهما معاً، أو بيد جهة خفيّة تطبخ ما لا قدرة للوزراء على تذوّقه والحكم عليه، فماذا يقرّر مجلس الوزراء مثلاً بين خياري ترسيم الحدود اللبنانية جنوباً، الجمع بين الترسيم البري والبحري أو الفصل بينهما؟ فهل هذا شأن تقني يقرره دبلوماسي شاطر ، أم هو قرار سياسي يتأسس على تحديد الأولوية اللبنانية السيادية، بإرضاء الوسيط الأميركي وتلبية طلباته، أم بضمان المساحة السيادية اللبنانية كاملة غير منقوصة؟ ولكل من النظريتين فلسفته لدى التكنوقراط، الذين ينقسمون بين المدرستين.

الذي يغيب هنا هو الجوهر. وهو الأهم عن نقاش يهدف من زاوية الحراك استبعاد الفساد فيقع بفخ خبث نظرية التكنوقراط، ويهدف من زاوية السياسيين لضمان نفوذهم وسلطتهم، فيحتمي ببلاهة نظرية التكنوقراط. فالسؤال الرئيسي الذي يواجه السياسيين والحراك معاً، أي تكنوقراط وأي سياسة معاً، ففي الشؤون السياسية وفي السياسات التقنية، مدرسة العلاقات العامة والتبعية ومدرسة السيادة، ولبنان يحتاج سياسيين وتكنوقراط ينتمون إلى مدرسة السيادة، في سياسته الخارجية، وملفات الانتهاكات الإسرائيلية وترسيم الحدود المائية والبرية، وملف عودة النازحين، وفي ملفات اقتصادية كالموقف من الدولرة للسوق وردّ الاعتبار للعملة الوطنية، والموقف من سياسة الاستدانة وما يصيب السيادة بسببها من ارتهان وخضوع للشروط الخارجية، ومثلها وبالتوازي يحتاج لبنان إلى ساسة وتكنوقراط يلتزمون دولة الرعاية، لا دولة الفلتان الليبرالي المتوحّش، فهل يجمع التكنوقراط على دعم الجامعة اللبنانية أم يتعصّب بعضهم للجامعات الخاصة والكبرى منها خصوصاً، كما يجمعون على كروية الأرض ودورانها حول الشمس وتعاقب الليل والنهار، أم ينقسمون وفقاً لمدارسهم السياسية، بين دعاة تشجيع المستشفيات الخاصة ودعاة توسيع وتطوير المستشفيات الحكومية، كما ينقسمون بين دعاة تطوير دور الدولة السيادي والاستثماري في قطاع الثروات الاستراتيجية كالنفط والاتصالات ودعاة الخصصة، كما ينقسمون بين دعاة البطاقة الصحيّة الشاملة ودعاة الترويج لشركات التأمين.. وكل هذه الانقسامات موجودة بين التكنوقراط والسياسيين والأحزاب، في أعرق الديمقراطيات. وللتذكير فقط، فالانقسام الأبرز بين عهدي الرئيسين الأميركيين باراك أوباما ودونالد ترامب يدور حول السياسات الصحية بين التكنوقراط في الفريقين.

لبنان يحتاج حكومة من سياسيين متخصّصين وأصحاب اختصاص مسيّسيين، لكنهم سياديّون لا يقيمون اعتباراً لرضا وغضب الدول الكبرى من جهة، ويؤمنون من جهة أخرى بدولة الرعاية ولا يقيمون اعتباراً لرضا وغضب أصحاب الأموال. وهذا يستدعي أن يكونوا من المجرَّبين في صلابتهم وتحرّرهم من كل الضغوط التي ستطال دورة حياتهم الشخصية والعائلية عند كل منعطف وقرار. والأمر ليس وصفة طبية يقدمها الوزير ويمشي، وفوق هاتين الصفتين يحتاج لبنان إلى وزراء تشهد سيرتهم بالنزاهة والترفع عن كل تسخير للموقع العام لمصالح خاصة أو حسابات عائلية أو حزبية أو شخصية. ومن يظنّ أن إيجاد هؤلاء يتم بمجرد رفع شعار حكومة تكنوقراط أو حكومة سياسية أو تكنوسياسية، يضحك على نفسه وعلى الناس. فالبشرية منذ آلاف السنين تبحث عن الفلسفة والنظرية والمعايير التي تضمن حكماً رشيداً، وحتى أعرق الديمقراطيات في العالم، التي تقدّم النظام الديمقراطي وصفة لاصطفاء النخب الصالحة لتولي الحكم، تعترف بأن مجرد قيام الديمقراطية على تداول السلطة هو اعتراف بأنها ليست وصفة أحادية للحصول على حكم رشيد، بل هي بصورة أدقّ وصفة صالحة للتخلّص من حكم توهّم الناس رشده فتكشف عن الفشل أو الفساد.

– كما السياسة هي أفضل الممكن، فإن الحكومة هي أفضل الممكن أيضاً.