nasser

ناصر قنديل

- منذ عدوان القنيطرة، والردّ في مزارع شبعا، الذي كرّس ميزان ردع استراتيجي وشكل معادلة حرب كاملة، والعيون شاخصة إلى الاختبارات التي ستشهدها ساحات المواجهة، لتكريس أو نسف ما بدا أنه قواعد الاشتباك الجديدة التي أرستها المقاومة، وإذا كان الأساس في القواعد الجديدة هو أنّ المقاومة عندما يُستهدف مجاهدوها، لن تلتزم بالمكان والزمان والكيفية، فهو ما لم يتمّ اختباره إلا سلباً، باعتبار انّ الردع ساري المفعول طالما لم تقم «إسرائيل» بعد ذلك بأيّ استهداف، لكنه اختبار سلبي لجهة، أن لا ثقة في ثباته، فكثيراً ما يكون الامتناع لاعتبارات لوجستيه، وعدم جاهزية عمليات مجدية ومضمونة النجاح، أو لترك القواعد الجديدة تتآكل بفعل رهانات «إسرائيلية» على متغيّرات تراها ممكنة وتشتغل عليها.

- الاختبار الأصعب كان في جبهة جنوب سورية، الجبهة التي أراد «الإسرائيلي» أن يفرض فيها قواعد اشتباك قوامها، أنّ تقرّب حزب الله من الجولان خط أحمر، وأنّ الحزام الأمني الذي أوكلت «إسرائيل» مهمته إلى «جبهة النصرة» خط احمر، وأنّ حركة الطيران «الإسرائيلي» وإغاراته فوق الجولان حق مكتسب، ولما جاءت عملية الردع في مزارع شبعا لم يكن في حساب أحد أنّ مفاعيلها إرساء قواعد اشتباك جديدة في جبهة الجولان، فالأمر كان ينتظر اختباراً عملياً يظهر نتائج الردع ومدى انعكاسه على المواجهات الدائرة على جبهة الجولان والتجاذب الحادّ الجاري ليفرض كلّ طرف معادلته لوضع قواعد اشتباك جديدة.

- ما يجري منذ ثلاثة أسابيع في جنوب سورية من معارك تتسم بحجمها ونوعيتها ومستواها، بحيث لا يمكن عدم وضعها تحت النظر بصفتها اختباراً على نطاق واسع لتبيان حقيقة قواعد الاشتباك التي تحكم هذه الجبهة الخطيرة والحساسة، والتي كانت محكومة بقواعد فك الاشتباك القائم منذ عام 1974، حتى خرقته «إسرائيل» لوضع قواعدها الجديدة، وأصرّت بغاراتها وتدخلها الناري ورعايتها لمجموعات «جبهة النصرة» وتتويجاً بغارتها على مقاتلي وقادة المقاومة، على رفعها إلى مستوى المعادلة الاستراتيجية.

- حشد الجيش السوري بطريقة حرب نظامية دباباته ومدفعيته ومشاته، وتقدم بنسق قتالي مكشوف أمام العين «الإسرائيلية»، يدك مواقع «جبهة النصرة» ويتقدّم، ويسقطها الواحد تلو الآخر، ولم تجرؤ «إسرائيل» على تحريك ساكن، ونشرت «جيروزاليم بوست» مناشدات قادة المسلحين واستغاثاتهم، وقولهم لقادة «إسرائيل» إنّ كلّ شيء سينهار ما لم يتدخلوا، ولم يتدخلوا، بل أجابوا، انهم لا يستطيعون فعل شيء، فتكرّست المعادلة الأولى الجديدة لقواعد الاشتباك، ومضمونها أنّ الحرب مع «جبهة النصرة» شأن سيادي سوري طالما هي تجري داخل الأراضي السورية، وأنّ ايّ تدخل «إسرائيلي» فيها، لا تحرسه أيّ خطوط حمراء، بل يعني الإنزلاق إلى حرب، على «إسرائيل» أن تقرّر ما إذا كانت فعلاً تريدها وتقدر على تحمّل تبعاتها، وهي حرب تتخطى الجبهة السورية لتصير حرباً شاملة مع محور المقاومة.

- تقدم حزب الله ومجموعات من الحرس الثوري الإيراني مع وحدات الجيش السوري، وهم يرفعون أعلامهم وشاراتهم الخاصة، بصورة متعمّدة، لتظهير معادلة جديدة في رسم قواعد الاشتباك الجديدة، وقوامها أنّ وجود المقاومة ضمن تفاهمها مع الدولة السورية أمر شرعي لا يخضع للتحذيرات «الإسرائيلية» التي لا يحق لها وضع خطوط حمراء، وأنّ الاتفاقات العسكرية السورية الإيرانية، وما يترتب عنها من تعاون بين الجيشين والقوات المسلحة في البلدين، أمر سيادي سوري لا تملك «إسرائيل» حق الدخول على خطه، وفي الحالين على «إسرائيل» أن تسلم بالقواعد الجديدة التي يشكل انتهاكها خطر التقرّب من الحرب الشاملة.

- قام الطيران السوري الحربي أمس بأول غارات له على آخر نقاط الجغرافيا المشمولة ضمن المعايير القانونية بحقه في التحليق، وأغار على مواقع لـ«جبهة النصرة»، وهذا يحدث للمرة الأولى، وحملت الرادارات «الإسرائيلية» إشارة وجود طيران حربي سوري في الأجواء السورية الملاصقة للخط الفاصل، وسئلت القيادة السياسية والعسكرية، في تل أبيب، وصورايخ القبة الحديدية مستنفرة، فصدرت الأوامر بالتجاهل، ونفذ الطيران السوري غارات شديدة القوة والفعالية، وأعاد تكرار الغارات مراراً، والرادارات «الإسرائيلية» تسجل، والقبة الحديدية، تطلب الأوامر للتصرّف وإطلاق صواريخها، والقرار عدم الردّ، وبعد نهاية الغارات، ظهر الطيران «الإسرائيلي» في أجواء المنطقة العازلة وعاد أدراجه.

- مراقبة ما يجري في جنوب سورية وحده سيحدّد قواعد الاشتباك الجديدة، فالقيادة «الإسرائيلية» نفسها متردّدة ومرتبكة، وقد تجرّب كسر بعض هذه القواعد، لكن الأكيد أنّ قرار حلف المقاومة دفع الثمن اللازم لتثبيتها.

(البناء)