Get Adobe Flash player

تشكل الجيل الأول للفلاسفة المعاصرين بعد الجيلين الإغريقي والإسلامي، أمثال سقراط وأرسطو وأفلاطون، وابن رشد والغزالي وابن عربي وابن خلدون، في ألمانيا وفرنسا بالتوازي مع صعود الثورة الصناعية. وظهر أمثال روسو وفولتير وكانت وهيغل وكثيرون من ورائهم يبشّرون بالفلسفة كخلفية للعلم والسياسة والاقتصاد والعلوم الإنسانية. وجاء الجيل الثاني مع كارل ماركس وفريدريك أنغلز وفلاديمير لينين وروزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي يتوزّعون بين ألمانيا وروسيا، ليتشكل الجيل الثالث من فرنسا مجدداً في محاولات لرد الروح للفلسفة كمرجعية للسياسة والاستراتيجية، بمفهوم النظرية الكاملة، القادرة على تشكيل معادلات تصلح في العلوم الإنسانية والتطبيقية وفي قراءة التاريخ وصناعة السياسة وإدارة الاقتصاد، فكان جون بول ساتر ولويس التوسير.

 

بقيت الليبرالية التي شكلت عنوان صعود الثورة الصناعية بلا فلسفة، تصرّ على اعتماد البراغماتية التي تأسست على معادلات الواقعية والتجريبية والبحث عن المصلحة، وعند انهيار الاتحاد السوفياتي، وسيادة نظرية نهاية الفلسفة، دخلت الليبرالية على عالم الفلسفة، فكان صموئيل هنتنغتون ونظرية صدام الحضارات، وفرانسو فوكوياما ونهاية التاريخ، لتعلن الليبرالية اكتمال مهمتها بالتزامن بين السيطرة على العالم الواقعي والسيطرة على الفلسفة أو الانتقام منها، خصوصاً أن الفلسفة الوحيدة التي قيّض لها أن تبني نموذجها السياسي والاقتصادي كانت الماركسية بنسختيها اللينينة والماوية. وقد تسنى لليبرالية أن تحسم معركتها مع واحدة وراحت تستعدّ للبطش بالثانية.

تشكل من ثلاثي قطبه الأول انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 ونموذجها المنتمي للخلفية الإسلامية وبروح ثوريّة عالية، وقطبه الثاني انتصار المقاومة التي مثلها حزب الله على كيان الاحتلال لمرتين وهو الكيان الذي يختزن كل مصادر قوة الغرب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية ويشكل طليعته المتقدّمة في الحوض الآسيوي الأفريقي، وقطبه الثالث صمود نموذج الدولة الوطنية المستقلة القائمة على اقتصاد وطني ونظام خدمات صحي وتعليمي شبه مجاني، الذي قدّمته سورية بوجه مشاريع العولمة المتوحشة وجوهرها الخصخصة، مصادر لرسم استراتيجية نهوض روسيا على يد فلاديمير بوتين، لينتكس مشروع نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة. وفي منتصف الطريق مع الحرب التي شنت على سورية في قلب السعي للتقرب من موسكو وبكين، والسعي لإطلاق رصاصة الرحمة عليهما كقوتين عالميتين، بعد الفوز باسترداد أوروبا من بوابة حرب اليوغوسلافيا، وتطويعها في حرب العراق، كان اللقاء الروسي مع قوى المثلث الجديد الصاعد الذي يثبت قدرته وأهليته على تحدي زعامة القرن الحادي والعشرين التي بشّر بها المحافظون الجدد، كعنوان للهيمنة الأميركية الكاملة على العالم، وعبر النهوض الروسي كان الاستشعار الصيني لضرورة مواجهة الخطر، لكن السياسة بقيت دون فلسفة، تفسّر التاريخ وترسم مستقبل الصراع بأدوات غير سياسية، وغير براغماتية. يحاول الفيلسوف وأستاذ التاريخ الروسي إطلاق موجة جديدة في الثقافة والفكر داعياً لفلسفة جديدة، لا يدّعي امتلاك مفاتيحها بتواضع الأساتذة الكبار، لكنه يعتبرها حاجة ملحة لمنح معنى حقيقي لمشروع مواجهة الهيمنة، والاستعداد لمنازلة الليبرالية التي يراها تحتضر كمدرسة فلسفية، تعجز عن الإجابة على تساؤلات قامت هي بوضع أسسها، حتى باتت سمتها الأصلية هي اللاليبرالية، وتحوّلت إلى ما يشبه فرق التبشير الديني والعنصري التي شهدتها القرون الوسطى، ويُعيد دوغين الاعتبار للجغرافيا السياسية في حديثه عن البعد الأوراسي، وينبش تاريخ الأعراق والأديان، لتفسير تلاقي الكتلة التاريخية للأوروآسيوية، متطلعاً لنظام متعدّد الأقطاب يُعيد لكتابته عنه والتنظير له الدور في جعله منتجاً سياسياً روسياً في التداول، لكنه يراه ضبابياً يحتاج لمزيد من التوضيح، والتحديد، وأسس التشكيل.

يفتح دوغين نظريته عن الحقيقة الرابعة كمدخل للنقاش حول الفلسفة الجديدة، حيث يقول، مقابل الليبرالية خصمان تتقن منازلتهما هما الشيوعية والفاشية، فكل ما ليس ليبرالي هو فاشي أو شيوعي، ومصدر ارتباكها اليوم أنها لا تتقاتل مع شيوعيين ولا مع فاشيين، بل مع الناس وحاجاتهم الطبيعية للكرامة والاستقلال والحق بالعيش الكريم. والناس ليست تعبيراً عابراً عند دوغين، بل هي مفردة يصر دوغين على تمييزها عن مفاهيم الوطنية والعرقية التي أسست للفاشية، أو الفرد الذي تقيم الليبرالية هندستها الفكرية على محوريّته، أو الطبقة التي تتشكل منها قاعدة النظرية الشيوعية. والحقيقة الرابعة هي حقيقة مناهضي مشروع الهيمنة، بالاستناد إلى حقائق قائمة وصارخة تجمعهم، وهم ليسوا ليبراليين ولا فاشيين ولا شيوعيين، عليهم الانطلاق من هذا التعريف السلبي لجمعهم التاريخي، باباً لصياغة تعريف إيجابي، قادر على تفسير التاريخ ويلاقي الحركات المناهضة للمشروع الليبرالي في الغرب نفسه.

في الغرب معركة ضروس ضد دوغين، مقالات في الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، وحظر كتبه في أمازون، وتهجّمات عليه كعنصري وفاشي وشيوعي في آن واحد، ورأس بوتين الجديد، تلميحاً لقربه من الرئيس بوتين، ولدور راسبوتين كاهن العهد القيصري، ويخشى الكثيرون من المتابعين في منطقتنا من تركيز دوغين على تاريخ الإمبراطوريات كأرضيّة للعالم الجديد بنيت ركائزها في العالم القديم، بصورة قد تضعه في حال وهم حول دور تركيا أو سعي لاستنهاض حركات أصولية دينية من نوع جديد،، كركيزة لمعادلات العالم الجديد، لكن دوغين ينفي تمسكه بأي تعصب نظري، مؤكداً انفتاحه على أي أجوبة وتحديدات قابلة للفوز في تقديم التفسيرات والوصفات الأكثر غنى ودقة، معتبراً أن المهمة مطروحة على جمع فلسفي ونخبوي مناضل، يجب أن يولد من قلب هذه الجبهة المقاتلة بوجه مشروع الهيمنة.

في بعض قراءات دوغين قد تحسّ بعضاً من نبض أنطون سعاده، سواء لجهة الارتكاز على تاريخ تشكل الجماعات الإنسانية في أمم تاريخية، رغم تمسكه بالبعد الإسلامي لحضارة شعوب الشرق، أو لجهة دعوته لرفض وضع الفلسفة والدين في مواجهة يراها مفتعلة، واعتباره لمفهوم الدولة كصيغة للحكم قادراً على الجمع بين التصالح مع الديانات التي تفقد بدونها الشعوب روحها وذاكرتها، وبين الإطلالة على كل مخرجات العلم الحديث، لتجديد ماهية وكيفية إدارة شؤون الحكم بين الناس بمعزل عن دياناتهم، داعياً للتساؤل الجدي حول صلاحية الديمقراطية كأساس لشكل نظام الحكم الجديد، دون ادعاء امتلاك البديل. الفيلسوف بعرف دوغين هو صاحب أسئلة، والمناضلون أصحاب أجوبة عملية في جبهات الاشتباك، والمؤرخون يصوغون النظريات من وحي حركات الصراع كأجوبة قادرة على حمل تفسير للتاريخ ووصفة للمستقبل.

في اللقاء الذي جمعنا في زيارته لصحيفة البناء ، قدّم دوغين نموذجاً عن تواضع الفلاسفة، وشرحاً للكثير من معتقداته وقناعاته، وجذبنا إلى مشاركته التفكير بصوت عالٍ بحثاً عن أجوبة على الأسئلة الكبرى