Get Adobe Flash player

– لافتة إلى حد الإدهاش سيرة ومواقف هذا المعمّم الذي جاء إلى لبنان بعد غياب أسرته عنه لعقود، ليقيم بين أهله أقلّ من عقدين تاركاً للبنانيين ميراثاً لا ينضب ومواقف مشرّفة تُحتسب، فيلتقون من حوله مسلمين ومسيحيين يشيدون بالمناقبية ويستذكرون الوطنية ويتنافسون في التعبير عن التقدير والتعلق وصولاً لحد العشق، وهو رجل دين في طائفة كانت قبله على هامش الطوائف وجاء يلمّ شملها وينظم صفوفها.

 

– ما قدّمه الإمام لشيعة لبنان لا يمكن أن يدّعي زعيم طائفة تقديم مثله لجماعته، فقد استنهضهم للتعلم والتقدم والاستثمار في لبنان وبلاد الانتشار، ونظم صفوفهم وشكل لهم مجلساً طائفياً أعلى نال له ترخيصاً، ودفع بهم إلى مزاحمة الطوائف على الأدوار السياسية والاقتصادية، وانتزع لهم المكانة التي وعدهم بها، لكنه رسم لهم سقوف مواقفهم ودورهم في الوطن، فتناول قضية الحرمان ومنع حصر الخطاب حولها بالطائفة، فأسس حركة المحرومين بنواة من طائفته وجمع نادر من قادة ورجال الفكر في كل الطوائف. وأطلق خيار المقاومة لكيان الاحتلال مانحاً المقاومة صفة الدفاع الشعبي إلى جانب الجيش الوطني، الذي احتل مكانة مميزة في خطابه، وكل هذا قبل أن يقع، أي الاحتلال، هو مؤسس أول مقاومة أسماها أفواج المقاومة اللبنانية.

– ما فعله الإمام لطائفته اكتمل بحرصه على وحدة مكوناتها السياسية تحت سقوفه الراسخة، التي تجسّدت بعده بحركة أمل وحزب الله، وكأنه من يوم قبل الولادة قد كتب على قلوبهم أن إعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، فقدموا رغم سنوات نزاع مر بينهما مثالاً يحسدهم عليه الآخرون في الطوائف، لجمع الكلمة ووحدتها، لكن تحت سقف الوطن. فالمقاومة والوحدة الوطنية ركنان في الشيعيّة السياسية كما الصلاة والصوم ركنان من أركان الدين الخمسة.

– عندما نسمع اليوم خطاب رئيس حركة أمل والأمين العام لحزب الله، نسمع الإمام السيد موسى الصدر، ونسمع خطاب المقاومة والوحدة، ويبدو الإنجاز لمكانة الطائفة ووحدتها، مكانة لخدمة الوطن ووحدة لا تقوم على المناداة بتقاسم الوطن، أما دورها في المقاومة وفي مشروع الدولة فوطنية لا غبار عليها، ليصير ما أنجز للطائفة ليس هدفاً بل مجرد رصيد تتحقق قيمته بكيفية تسييله لخدمة الوطن، كما قال الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أن ليس للبنانيين الشيعة مشروع خاص غير لبنان .

– عندما يتطلّع قادة وأبناء الطوائف الأخرى نحو الإمام لا يرون إلا تلك القامة الوطنية والمواقف التاريخية، وربما ينتبهون أن ما أسسه الإمام هو كلمة السر في المقاومة والوحدة. وهو الأصل في منح طائفته هذا النوع والحجم من الزعامات التي حملت من بعده عبء مواصلة الطريق فهو المعيار والمقياس، ولذلك نبِهوا وتنبّهوا ففازوا وفاز معهم لبنان، ويعرف اللبنانيون اليوم في قامتين كالرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله، تلامذة الإمام، ركنين محوريين يستقطبان التقدير والمكانة لدورهما في حماية الوحدة وصناعة المقاومة، لتختصر مسيرة الإمام معادلاته، بأن بالإمكان أن يكون القائد مسؤولاً عن جماعته، شرط أن يعي أنه مسؤول أولاً وأخيراً عن الوطن.