nasser

ناصر قنديل

- في مصر دولة تمتاز عن كثير من الدول العربية الأخرى، بكونها تمتلك مؤسسات عميقة وعريقة، وذات وزن على المستوى الوطني، بعيدة عن لعبة التنازع والتقاسم التي تعيشها الطبقة السياسية حول السلطة، وهذه المؤسسات التي يسميها الأكاديميون بالدولة العميقة، تتحرك لترسم الإستراتيجيات الكبرى، وتتدخل في المنعطفات الحاسمة، وتقرع الجرس أمام المخاطر، وفي مصر منها الكثير، مؤسسة ديبلوماسية ومؤسسة عسكرية وأمنية، ومؤسسة قضائية ومؤسسة دينية، لكل منها تاريخ وقفات وتدخلات تؤكد انطباق هذه الصفات عليها، وما شهدته مصر في التاريخ القريب عندما تمادى عهد الرئيس السابق محمد مرسي في التوغل داخل مؤسسات الدولة لوضع مفهوم الأخونة موضع التطبيق، خرجت الدولة العميقة بكل مهابتها وكل مؤسساتها لتقول، الأمر لي.

- النقاش في ماهية التعامل المصري مع الرسالة الموقعة بدماء المصريين في سرت، لا تعني الخروج عن الإجماع على توصيف جريمة «داعش» بحق العمال المصريين في ليبيا، كجريمة تستحق الردّ والثأر والعقاب، كجريمة إرهابية وحشية منافية لقيم الإنسانية، ارتكبتها جماعة لا تنتمي للجنس البشري ولا للعصر ولا حلّ معها ولها إلا الاجتثاث.

- النقاش يدور حول ماهية الرسالة التي حملتها الجريمة الموصوفة، والتوقيع الحقيقي الذي ذيلت به، من جهة، ومن جهة أخرى، طبيعة التحدي الذي تفرضه على مصر حركة الإرهاب، الذي يعصف بالمنطقة ويتولى محاولة إعادة صياغتها، وفقاً لقواعد وخرائط جديدة، ليس ضرورياً الاختلاف حول من يقف وراءها ومن يستفيد منها، بل الاكتفاء بالإجماع على كون النتاج الطبيعي لها، تشقق الفوالق الديمغرافية والجغرافية التي يضرب الإرهابيون بقوة على وترها، ودخول المنطقة في حروب تصيب في الصميم وحدة وقوة كياناتها الوطنية ومؤسسات الدولة فيها وفي مقدمها الجيوش، ولا يبدو أنّ أحداً في القيادة المصرية يناقش اختلافاً مع هذه الحقيقة، بحيث يحسب السلوك المطلوب في حركة مصر للرد وموقعها في المواجهة، بمدى فعالية وتأثير الرد على تحصين وحدة الكيان الوطني للمصريين، ووحدة ومنعة ومهابة جيشهم ومؤسسات دولتهم.

- تفاعل المواجهة المفتوحة في المنطقة بين الإرهاب، ومجموعة من القوى والدول والجيوش المحلية والإقليمية والدولية، يجعل منها حرباً واحدة، ولو لم تكن القوى الواقفة على الضفة المقابلة للإرهاب موحدة أو ضمن جبهة واحدة، وهذا يعني في ضفة الإرهاب تحول المنطقة إلى ساحة أوعية متصلة، تتأثر فيها مناسيب القوة والضعف بصورة طردية، فالهزيمة للإرهاب في ساحة أو الانتصار في ساحة يرتبان مكاسب أو خسائر لكل من يقف في ضفة الاشتباك مع هذا الإرهاب، من دون أن يكون له يد في ذلك أو مسؤولية، ما يرتب على المعنيين بالمشاركة بالحرب، من دون الوقوع في أوهام وحدة جبهات المواجهة، أو حتى السعي للاختيار بين تحالفاتها، رسم المداخلة التي تسهم في قلب شراكتهم بالمواجهة بترجيح كفة تصور وسيناريو للمنطقة وخريطة مستقبلية لها، يكون الأقرب لمصالحهم البعيدة المدى، ولأنه لا مناص من الجواب على الأسئلة الكبرى في خريطة أدوار اللاعبين الكبار، يصير الشأن المباشر الذي يعني مصر هو ربط ردها على التحدي، بالجواب عن سؤال، لأي تصور ولأي خريطة في المنطقة تريد أن تمنح الفرصة، للتقسيم أم للتقاسم أم لشيء آخر في مقدمه فرض مصر كلاعب عربي مؤهل لسد الفراغ الإستراتيجي، أم لرد إعلامي لا يغيّر في الخرائط وقد يكون إسهاماً في تشجيع خيار الفوضى؟

- في الأمن الوطني لمصر لا يمكن الفصل بين التحديات التي تفرضها تداعيات الصدام المفتوح مع الإخوان المسلمين، الذين ارتضوا تشكيل بيئة حاضنة لمجموعات القاعدة، وبين التحدي الجديد، وبالتالي لا بد من قراءة كيفية توظيف الرد في قلب رؤيا متكاملة لهذا الأمن الوطني، تستفيد أوجه الاشتباك فيها من مصادر القوة لبعضها الآخر، وهذا يعني كيف تخدم مواجهة مصر للتحدي الجديد، مشروعها الأصلي بفرض أمنها الوطني الداخلي وتحصينه، وإضعاف مصادر القوة التي يرتكز عليها مشروع الإخوان.

- الحروب أولاً وأخيراً مقدرات متعددة المصادر، المتوافر منها داخلياً، والمنتظر السعي لتوافره بتحشيد التحالفات، ومصر تعلم ما عندها وما تفرض عليها الحروب الحاجة إليه، المهم أن المال كضرورة حاضرة هنا، سيفرض معادلات في منتصف طريق الحرب، التي قد يكون التحدي الجديد مدخلاً لانخراط مصر فيها، يبقى من المهم أن تضع مصر في حسابها عدم تحول الحاجة للمال إلى مصدر استنزاف معنوي وسياسي، تجد نفسها في قلب الحرب مضطرة لتحمله، لأن الخيارات تكون قد صارت أضيق.

- في كل وجوه المقاربة، تطرح المعادلة احتمال رد مصري على التحدي بالتورط في حرب ليبيا، ولو بصيغ متعددة، لكنها في النهاية ستضع تحدي تنظيف ليبيا من الإرهاب في حضن مصر، وما يرتبه ذلك من مخاطر إصابة الجيش المصري بالاستنزاف البشري والمعنوي، والغرق في مستنقع، وخضوع مصر للابتزاز السياسي بضغط حاجاتها المالية لمواصلة الحرب، بينما الواقفون وراء تمويل ودعم الإرهاب في ليبيا كما تعلم مصر وتقول، أي تركيا وقطر، يتفرجون، ولا يشعرون بخطر التحدي، ولا بخطر دفع الثمن، وبينما لا يقدم الدخول المصري في الحرب، إسهاماً بحجم مصر في رسم خريطة جديدة للمنطقة، يكون فيها ضرب الإرهاب ضمن رؤيا لترجيح كفتها.

- ببساطة الأمن القومي المصري، مهدد من الثنائي التركي القطري، والمنطقة تحتاج دولة بحجم مصر، تضع تحدي تأديبهما أولويتها، وتقطع شرايين الدعم الموصولة بين الدوحة وأنقرة من جهة والإرهاب من جهة أخرى، وتنتج وتقود التفاهمات والمصالحات بشجاعة عدم الاستئذان، وترسم السقوف بقوة المصالح العليا، وتضع الخطط التي تسمح بتحقيق هذا الهدف، المطلوب من مصر رد بحجم دولة عميقة وعريقة، بمؤسساتها تحول التحدي إلى فرصة.

- مصالحة عربية عربية، طرفاها سورية والسعودية، ومصالحة إقليمية إقليمية طرفاها، السعودية وإيران، تتوجان بإستراتيجية مشتركة تقودها مصر لتحجيم الدور التركي تحت طائلة العقاب السياسي وصولاً لقطع العلاقات، والذهاب إلى مجلس الأمن بقرار عربي لمعاقبتها وفقاً للفصل السابع كدولة مارقة داعمة للإرهاب، وقد سبق للعرب أن تمرجلوا وفعلوها بحق سورية بلا ذنب، فليكفروا عن الخطيئة ويفعلوها مرة بالاتجاه الصحيح، وبالمقابل تأديب قطر تحت طائلة العقاب العسكري باحتلال قوات عربية مشتركة تقودها مصر لهذه الجزيرة وجزيرتها، وتشكيل حكومة قطرية موقتة تديرها وتضع لها دستوراً وتشرف فيها على انتخابات، حركة هذا أفقها، تقودها مصر، تعني أن دماء شهداء مصر لم تذهب هدراً.

(البناء)