أسئلة كثيرة تدور في أذهان وعقول المتابعين للوضع العسكري شمال سورية، خصوصاً مع المبادرات الأميركية حول منح الأتراك منطقة آمنة في شمال منطقة شرق الفرات، والكلام التركي عن عملية عسكرية كبرى في المنطقة، وبالتوازي الدعم التركي المثبت بالوثائق والصور الفضائية لجماعات إرهابية موصوفة كجبهة النصرة وسواها في معارك ريفي حماة وإدلب، ويبني كثيرون أسئلتهم على إحدى فرضيتين، لا يستقيم بدون إحداهما أي استنتاج نوعي ذي قيمة، إما أن أنقرة باتت تشعر بعد صفقة الـ أس 400 مع روسيا أنها في وضع يسمح لها بالتلاعب بحدود دورها في سورية، أو أن واشنطن بعد تصعيد مواجهتها مع إيران قرّرت جعل سورية ساحة اشتباك فعلية.

 

بدون أي من هاتين الفرضيتين، يبقى قانون حلب قائماً وحاكماً للتطورات في سورية وشمالها على وجه الخصوص، حيث الفرصة لمعركة تركية أو معركة أميركية، أو أميركية تركية مشتركة، كانت في حلب وعندها لم يكن بيد الجيش السوري بعد، لا مناطق البادية ولا تدمر ولا دير الزور ولا الغوطة ولا ريفي حمص ودمشق ولا جنوب سورية كله، وكان الاستنفار الدبلوماسي الدولي في ذروته بوجه روسيا. وإذا كانت الشروط ذاتها التي حكمت الموقف الروسي يومها لا تزال قائمة والشروط ذاتها التي حكمت الموقف الأميركي يومها قائمة، فإن الشروط ذاتها التي حكمت الموقف التركي يومها ستحكم الموقف التركي اليوم، أي المناورة العسكرية والسياسية واللعب على حافة الهاوية لكسب الوقت وتحقيق ما يمكن من مكاسب وتفادي ما يمكن من خسائر، ولكن في النهاية الاستدارة خلف خط الاشتباك نحو التفاوض والتسليم بالمعادلات التي يفرضها الجيش السوري وحلفاؤه في الميدان.

في الحسابات الروسية في كل معركة فاصلة في سورية يظنّ كثيرون أن روسيا لن تكون شريكاً فيها، وتفاجئهم الوقائع بالعكس، لأن الذين يبنون استنتاجاتهم على كون روسيا مهتمة بالعلاقة بتركيا وبـ»إسرائيل» أيضاً، يتجاهلون ان قانون جذب تركيا و»إسرائيل» للاقتراب من روسيا يقوم في موسكو على معادلة إثبات القوة وفتح الباب الخلفي للتفاهمات، وفي كل مرة تكون التفاهمات المعروضة على حساب سورية يرفضها الروس لأنها تسقط فرضية إظهار القدرة، وتعرّض المنجز الاستراتيجي في سورية للتفكك، وبالتوازي في كل مرة يصعّد الأميركيون كلامياً يظنّ الكثيرون أنهم جاهزون للمواجهة ولا تلبث الوقائع ان تفاجئهم بوقوف التصعيد عند حدود الكلام. وفي شمال سورية يتلاعب الأميركيون بالأتراك والأكراد بالكلمات ولن يتغيروا حتى تدق الساعة السورية بدعم روسي وإيراني نحو قرار الانسحاب فيبدأون بالتفاوض الجدي.

– لا الـ أس 400 ولا السيل الجنوبي مع تركيا، يعادلان ما تحقق لروسيا من التحوّل إلى دولة عظمى حاضرة على المتوسط وحاكمة لمعادلات المنطقة والعالم، بل هما أصلاً تحققا بفضل هذا الإنجاز في سورية، والمواجهة الأميركية مع إيران إن فرضت تغييراً في الحركة الأميركية في سورية فهو تغيير باتجاه الانكفاء لأن الوجود الأميركي في سورية مكشوف أمام الاستهداف المفترض في أي مواجهة. وكل ما يدور حول المواجهة من إسقاط إيران للطائرة الأميركية إلى حرب الناقلات يقول إن أميركا لم تتغيّر.