Get Adobe Flash player

ينقسم اللبنانيون في فهم ما يريدونه من اتفاق الطائف، وبالتالي في فهمهم له كميثاق وطني جديد إلى تيارات عدة، واحد منها يجب أن يكون فقط صادقاً، وهو القائم على الأخذ بكل اتفاق الطائف جوهراً وشكلاً ومضموناً، بصفته جسر العبور من النظام الطائفي إلى نظام لاطائفي، بغض النظر عن المراحل الانتقالية التي يمنحها مضمونها توصيفها بالانتقالية. والإشارات الواضحة إلى أن الهدف النهائي للاتفاق هو إلغاء الطائفية، والذين يؤمنون صادقين في تعاملهم مع اتفاق الطائف بهذه الصفة، ويتقبّلون تنظيماته الطائفية المؤقتة مهما طالت، ويتقبلون كونه يرتضي مرحلية بطيئة تتعايش مع تبعات التنظيم الطائفي للدولة، ويبقي منها لمدة غير قصيرة بعد البدء بإلغاء الطائفية حرصاً على ما يسمّيه بميثاق العيش المشترك، وتحمّلوا لعقود تأجيل استحقاقات السير بتشكيل، مجرد تشكيل، الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، لكنهم لم يتنازلوا عن فهمهم للطائف كمعبر موثوق نحو دولة لاطائفية، دولة تنسجم فيها مواد الدستور ومقدمته، بدلاً من التناقض، بين مبدأ تساوي المواطنين أمام الدولة والقانون، وقواعد التمييز بينهم على اساس طائفي، هؤلاء هم وحدهم أهل الطائف الحقيقيّون.

 

هناك بالتوازي مع هؤلاء الصادقين في النظر للطائف، طوائف وطائفيّة وطائفيّون، ويتدرج هؤلاء بتيارات متعدّدة في التعامل مع اتفاق الطائف، فمنهم مَن ينظر لمكاسب الأمر الواقع التي حققها خلال الحرب أو خلال التطبيق السابق لاتفاق الطائف بصفتها نهاية تطبيق الطائف ويتموضع عند التهديد للسلم الأهلي إذا ما سمع مطالبة بالخروج من مكتسبات الحرب، أو مكتسبات ما بعد الحرب، أو التقدّم إلى الأمام في تطبيق الطائف نحو اللاطائفية ولو بالتدرج والمرحلية البطيئة. وهناك مَن يعتبر أن التطبيق السابق للطائف بغياب القوى السياسية المسيحية سبباً لعدم التوازن في التنظيم الطائفي، ويتطلّع لمرحلة بمفعول رجعي، يفرض فيها إخلالاً بالتوزيعات الطائفية بذريعة تعويض ما فات، وربما أملاً باستعادة بعض مما تم إقراره في الطائف، بالرهان على توازنات وحسابات طائفية وسياسية. وهناك مَن يفرح لفقرة وحيدة في الطائف هي اللامركزية التي يريدها موسّعة وسياسية وصولا للفدرالية رغم ما نصت عليه مقدمة الدستور من رفض كل أنواع التقسيم والفدرالية. وهناك مَن يعتبر ما طبق هو نهاية المطاف ويعمل كي لا يتقدم نحو جوهر الطائف وهو العبور المرحلي والمتدرج إلى اللاطائفية.

– ما لا ينتبه إليه كل الذين يقيسون الطائف ويريدون قصّه على مقاسهم، هو أن فرض ماهية العبور إلى اللاطائفية لم يكن منّة من أحد في نصوص الطائف والدستور، فهو ثمرة إفلاس النظام الطائفي، وما ينقسمون حوله اليوم ويقسمون البلد ويعطلون الدولة ويهددون السلم الأهلي، بذرائعه، وتتوقف أعمال الحكومة، وتتأرجح الموازنة، ويترنح العدل والأمن بالتسيّب مرة والانتقائية مرات، ليس إلا التعبير الأدق عن بلوغ المرحلة الانتقائية الطائفية سقفها، ونهايتها الطبيعية، للذهاب نحو المرحلة الثانية التي تتمثل بقانون انتخاب خارج القيد الطائفي على مستوى لبنان دائرة واحدة ووفقاً للتمثيل النسبي، جنباً إلى جنب مع مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف.. وعبثاً يحاولون تأخير عجلة التاريخ.