طرح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ما وصفه بالمبادرة الجديدة عبر الموافقة على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي شرط ضم حادثة الشويفات إليها. ومن الزاوية المجردة يبدو العرض منطقياً، فدعاة المجلس العدلي يأخذون عليه رفضه كقرينة على وجود ما يخشاه، وهو يقول إن رفضتم فلديكم إذن ما تخشونه، وإن قالوا إن الرفض عائد لعدم تماثل الحادثتين، قال لهم إذن هناك دماء أغلى من دماء فيسقطهم في حفرة الشويفات الشعبيّة والاستهانة بدم ابنها الذي سقط في الحادثة، بينما الذي يريده جنبلاط هو أبعد من ذلك وهو فعلاً لم يطرح عرضه الجديد لاستخدام رفضه من الغير في الترسمل السياسي، بل ليستخدم الموافقة إن تمّت، في القول إن حادثة قبرشمون هي مجرد حادثة، أو اشتباك مسلح كما هي حادثة الشويفات، وليست اعتداءً على أمن الدولة ولا تعريضاً للسلم الأهلي بالخطر، كما هو القصد الأصلي من طلب الإحالة إلى المجلس العدلي، ويكفي الربط في الإحالة المزدوجة لإسقاط هذا المقصد.

 

يعلم جنبلاط أنه لو كان صحيحاً ما يقوله عن أن المجلس العدلي مؤامرة تستهدفه لوجب القبول بعرضه الجديد، مثلما وجب السؤال لماذا يضع المجلس العدلي حلاً في مبادرته الجديدة، وأين أصبح مشروع سورية وحزب الله باستهدافه عبر المجلس العدلي، كما قال بجعل قبرشمون سيدة نجاة جديدة. والمقصود الحادثة التي انتهت بحل حزب القوات ودخول رئيس الحزب إلى السجن، أليس الطبيعي لو كانت هناك مؤامرة ألا تعطله إحالة حادثة الشويفات التي سيتمّ عندها تعيين محقق عدلي خاص لها، مختلف عن المحقق العدلي الخاص بقبرشمون، وبعد الإحالة ستسلك كل منهما طريقاً مختلفاً، فكيف تبددت المخاوف الجنبلاطية من المؤامرة فجأة وصار الحل بالإحالة، بدلاً من أن تكون الإحالة كما قال أصلاً، هي المشكلة؟

طلب الإحالة المزدوجة يكشف أمرين، الأول أن الحديث عن مؤامرة وراء المطالبة بالإحالة مفتعل بهدف الضغط السياسي وتعطيل المسار القضائي بعد حادثة كادت تذهب بالبلد إلى كارثة، والربط بينها وبين حادثة تسلك مساراً سياسياً وقضائياً يعرف جنبلاط أنه في طريق النهاية وخواتيمه الأخيرة، يجب أن يشكل مصدر راحة للمعنيين بها طالما أنهم جزء من مؤامرة فيجعلونها مزدوجة بالإحالتين، حيث يمكن البدء بالتحقيق في حادثة الشويفات من الصفر بمجرد الإحالة الجديدة أسوة بقبرشمون، ويمكن عندها للمؤامرة بلوغ نتيجة مزدوجة بالاستهداف، طالما هي مؤامرة، ولو كانت كذلك لما وافق أن يذهب إليها بقدمين بعدما كان اتهامه للغير أنهم يأخدونه إليها بقدم واحدة، أما الأمر الثاني فهو أن جنبلاط بالربط ينسف كل الرواية الاشتراكية السابقة عما جرى في قبرشمون بتوصيفه ردّ فعل على كلام الوزير جبران باسيل، ليقول بالربط ضمناً أنه ردّ على الشويفات، فينقل ما جرى من دائرة الوقوع العفوي رداً على ما حدث قبل ساعات عبر كلام باسيل، إلى دائرة التخطيط رداً على ما حدث قبل سنة ونصف تقريباً في الشويفات، وينقله من دائرة الاستهداف بالصدفة للوزير صالح الغريب إلى الاستهداف العمد.

– كل هذا يعني أن تهرب مجلس الوزراء من مناقشة قضية ما جرى في الشويفات كحدث وقع في قلب زمن ولاية الحكومة، قبل أسابيع، والتذرّع بالحاجة للتوافق المسبق على الحل لمناقشة الحادثة، هو الذي يعطل الحكومة، لأن التوافق يعني منح طرفي القضية حق الفيتو ودعوتهما لتسوية النزاع بينهما سياسياً من باب التوافق على الحل، وهذا يعني شيئاً واحداً، هو جعل المسار القضائي مجرد ستارة لتظهير التفاهمات السياسية بأحكام قضائية، ويبدو أن هذا هدف يستحق أن يبقى لأجله مجلس الوزراء معطلاً، لأن الإحالة إلى المجلس العدلي بدون الاتفاق سلفاً على الأحكام وأسماء المتهمين سابقة تفسد السلم الأهلي أكثر من حادثة قبرشمون. فالسلم الأهلي قائم على كونفدرالية طوائف وليس على دولة القانون، وحادثة قبرشمون تعزز هذه الكونفدرالية، بينما الاحتكام إلى القضاء يضعفها، ويعزّز دولة القانون، وأهل الحل والربط متفقون على حماية الكونفدرالية.