Get Adobe Flash player

معاون وزير الخارجية الأميركية ليس مبعوثاً أممياً وسطياً تمّ انتقاؤه بالتراضي لملف ترسيم الحدود اللبنانية البرية والبحرية، بل هو ممثل للسياسة الأميركية التي تشارك «إسرائيل» مشاريع العدوان والضمّ وتطرح لحسابها الرؤى السياسية لتصفية القضية الفلسطينية، ولا يجوز أن يقع أحد بوهم أن ساترفيلد يمكن أن يضبط إيقاع خطواته بمعزل عن أجندة أميركية تتصل بلبنان وموقعه من صراعات المنطقة، خصوصاً موقع لبنان ومقاومته من الصراع مع «إسرائيل» ومستقبل قضايا الصراع التي تهم لبنان وفي طليعتها حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

 

في بداية مهمة ساترفيلد كان واضحاً أن ثمة تنازعاً بين عوامل رسم خريطة طريق، قد يسمح للبنان بالفوز بتحقيق نتائج. ومصدر التنازع هو وجود عامل رادع لدى لبنان يمنع «إسرائيل» من السطو على ثرواته النفطية والغازية، وبالتالي حاجة «إسرائيل» لترسيم مشرعن دولياً ليتسنى لها القيام بالاستثمار في الجيوب البحرية القريبة من المناطق المتنازع عليها، من جهة. ومن جهة موازية وجود سعي أميركي إسرائيلي لمحاصرة أي تشبيك لقوة حزب الله بالمواجهة المحتملة مع إيران في الخليج مع الاستعداد للحشود والضغوط العسكرية هناك. وقد حاول لبنان الإفادة من ترابط هذين العاملين بالغموض في الموقف في ما لو تصاعد الوضع في الخليج، والتركيز على تمسك لبناني جامع بعدم التفريط بقطرة نفط من ثرواته البحرية على خلفية قدرة الدرع التي تمثلها المقاومة. وبدا في هذه المرحلة أن التفاؤل يتقدم باتجاه نجاح مهمة ساترفيلد.

في منتصف الطريق سقط التصعيد في الخليج وبدا أن الثلاثي الأميركي الإسرائيلي الخليجي عاجز عن مجاراة إيران في التصعيد، وأن لا مصلحة بمواصلة اللعب على حافة الهاوية، خصوصاً بعد إسقاط إيران لطائرة التجسس الأميركية العملاقة، وتقدم التركيز الأميركي الإسرائيلي على مؤتمر البحرين وصفقة القرن، حيث ظهر الموقف اللبناني الرسمي كركن من أركان المشهد الإقليمي بمواجهة المشروع الأميركي الإسرائيلي على خلفية رفض التوطين والتمسك بحق العودة. ولم تنفع النصائح الأميركية للبنان بالتلميح والتصريح في جلبه إلى بيت الطاعة في البحرين، ولا نجحت الحملات الإعلامية التي تحدثت عن خطورة الغياب في خلق رأي عام ضاغط، وصارت مهمة ساترفيلد معنية بثنائية حضور قدرة الدرع الحامية للثروة النفطية، ورفض لبنان لصفقة القرن ومؤتمر البحرين. وبدت المقايضة بين حقوق لبنان وضمّه إلى صفقة القرن مستحيلة، بعكس فرضية المقايضة بين الاعتراف بالحقوق اللبنانية وتحييد لبنان عن أي مواجهة محتملة في الخليج.

– حاول الأميركيون والإسرائيليون خلق أثمان بديلة لمطالية لبنان بالسير ضمن صفقة القرن، لوضع المقايضة في سلة تبادل الأرباح فأضافوا سلاح صواريخ المقاومة، تحت شعار إخلاء لبنان من شبهة امتلاك مصانع للصواريخ الدقيقة، ووضع هذه القدرة النوعية للمقاومة تحت المراقبة، فكان ردّ الأمين العام لحزب الله قاطعاً، وقد جاء مضافاً إليه حينها قطع الغموض حول الموقف من أي مواجهة مع إيران عندما اعتبر أن حزب الله سيكون جزءاً من هذه المواجهة، بهدف رسم معادلة قائمة على رفض أي وهم مقايضة، والإصرار على حصر التفاوض كما هو أصلا بالحقوق اللبنانية، منعاً لأي تلاعب. فبدأ التراجع الأميركي متذرعاً بتغير في الموقف الإسرائيلي، ما يعني أن أي جولة جدية قادمة للتفاوض قد لا تبدأ إلا في أعقاب مخاطر اندلاع مواجهة عنوانها الحقوق النفطية للبنان في البحر واعتداء «إسرائيل» عليها. وبالمقابل سلاح الردع الصاروخي للمقاومة لحماية هذه الحقوق، وربما لا تكون هذه الجولة بعيدة، طالما أن لبنان لا يستطيع تلزيم العمل في بقعة تضمّ ما يقدر بستمئة مليار دولار من الثروات النفطية والغازية.