Get Adobe Flash player

منذ الفشل الإسرائيلي في جنوب لبنان عام 2000 كان على واشنطن أن تحضر مباشرة الى المنطقة، وان تدرك ان توفير فرص استمرار مشروعها الإمبراطوري في التقدم نحو آسيا، بعد حسم السيطرة على اوروبا في حرب اليوغوسلافيا وتوسع الاتحاد الاوروبي والثورات الملونة، مستثمراً لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، يستدعي حضورها المباشر وإدراك أن المواجهة بينها وبين إيران صارت شرطاً لتقدم هذا المشروع. وهكذا كانت حروب العراق وافغانستان ولاحقاً حرب لبنان 2006 وحروب غزة 2008 و2014 والحرب على سورية 2011 – 2019 وحرب اليمن 2015-2019 أشكالاً غير مباشرة لهذه المواجهة. وكان التفاهم النووي والانسحاب منه ترجمة لهذه المواجهة في سياسات الاحتواء او الحصار، وبالمقابل كان على إيران أن تتصرف على قاعدة أن تفادي المواجهة لم يعد ممكناً، لكن المطلوب خوضها بذكاء استراتيجي يتيح الوقت اللازم والمقدرات اللازمة لبلوغ اللحظة التي يصبح فيها السير نحو هذه المواجهة فوق قدرة أميركا. وهذا هو معنى التوازن الاستراتيجي .

للتذكير فقط، فان الملف النووي الإيراني كان بقدر ما خياراً علمياً واقتصادياً استراتيجياً للاستقلال الإيراني، واحدة محورية من أدوات إيران لبلوغ التوازن الاستراتيجي، بامتلاك القدرة النووية الكاملة التي تخولها القول بأنها قادرة إذا تعرّضت للاستفزاز ان تذهب لإنتاج سلاح نووي، وقبل العام 2000 لم يكن البرنامج النووي الإيراني مفعّلاً أو حاضراً. وللتذكير فقط أن ما تسمّيه واشنطن بالنفوذ الإيراني، والمقصود دعم إيران لحركات المقاومة في المنطقة من لبنان الى فلسطين والعراق واليمن، كان بقدر ما هو تعبير عن تبني إيران خيار المقاومة، تعبيراً عن سعيها لتحقيق هذا التوازن الاستراتيجي، وقبل العام 2000 كان موقف إيران الداعم لحركات المقاومة دون ما أصبح عليه بكثير بعده.

تعاملت إيران مع كل الحروب الأميركية بلغة الاحتواء، ومن ثم المواجهة غير المباشرة، كما فعلت خصوصاً في حربي العراق وأفغانستان، ونجحت في تحويل تحدٍّ يهدف الى اطباق الحصار عليها، فرصة لاستنزاف المشروع الامبراطوري الاميركي وافشاله، واستثمرت الزمن على تطوير سريع لبرنامجها النووي لتحويله منصة اشتباك وتفاوض، وعلى تنمية فعالة لقوى المقاومة لجعلها أجنحة المعركة الشاملة على مستوى المنطقة. وعندما بلغت اميركا لحظة نضج قرار المعركة الكبرى واختارت سورية مسرحاً لها، كانت إيران قد بلغت مرحلة الثقة بجهوزيتها لهذه المواجهة المباشرة، ففاجأت بالحضور المباشر خلافاً لما فعلته في العراق وافغانستان، ورفضت فيها عروض التقاسم والتساكن التي ارتضتها فيهما، وبات معلوماً لكل من واشنطن وطهران، أن الملف النووي وقوى المقاومة، تعبيران مختلفان عن الاشتباك وليسا أبداً سببه الرئيسي. فالتخلّص الاميركي من أي منهما كعامل قوة لإيران أو النجاح بإضعاف مكانته يجعل المواجهة أقرب، وليس أبعد، كما يقول الخطاب الأميركي.

المشهد اليوم يقوم على معادلات، يتقابل فيها، السعي الأميركي لخنق البرنامج النووي اقتصادياً بالتلويح الإيراني بجعله اقرب للحظة القدرة على التحول لبرنامج عسكري، ويتقابل فيها السعي الأميركي لحشد القوى العسكرية مع ترسانة صاروخية إيرانية تم تطويرها منذ العام 2000، فصارت الأقوى في العالم، وتتقابل فيها السعودية والإمارات مع أنصار الله في تحديد لمن اليد العليا في الخليج، وتتقابل فيها «إسرائيل» مع حزب الله وحركات المقاومة في فلسطين، لتحديد لمن اليد العليا في منطقة المشرق، وتمسك إيران بزناد أسعار النفط، وتستثمر على تنامي قوة سورية والعراق كفائض قوة، تتراجع أمامه القوى التي راهنت عليها واشنطن في جغرافية البلدين لتقسيمها أو إرباكها، من الرهان الكردي الى داعش.

– المنطقة والعالم ينتقلان من التوازن الاستراتيجي الى القدرة على المبادرة الاستراتيجية مع تموضع روسي قرأ المتغيرات جيداً، والتقط اللحظة التاريخيّة بعناية، وتقدّم صيني يدق أبواب اقتصادات العالم بسرعة وقوة، والذين لا يريدون رؤية الأفول الاستراتيجي للمشروع الإمبراطوري الأميركي يعبّرون عن مشكلتهم في الرؤية ليس الا.