Get Adobe Flash player

قد تكون الحشود العسكرية الأميركية في الخليج أشدّ الخطوات غباء من المنظور الاستراتيجي لدولة تدرك أنها عاجزة عن المضي في الخيار العسكري، لأنها تدرك ببساطة أن المواجهة المفتوحة ستعني الإطاحة بكيانين رئيسيين تعتمد عليهما في المنطقة، هما «إسرائيل» والسعودية، قبل أن يحلّ أيّ أذى جدي بإيران، وبالمقابل هي عاجزة عن المساهمة في إنشاء توتّر يترتب عليه صعود غير مسيطر عليه في أسعار الأسواق النفطية لا تفيد في تهدئته كميات النفط الإضافية التي يجري ضخها في الأسواق، وتزيده جنوناً كل خطوة تصعيدية، وكل ما سيجري هو في الحصيلة ترسيخ مقولة إن استقرار الأسواق النفطية يرتبط عضوياً بعدم تعرض إيران للاستفزاز .

كانت الحسابات الأميركية هي أن الحشود العسكرية ستمهد باستعراض القوة لزيارة وزير خارجيتها إلى موسكو للتمهيد لمسار تفاوضي بالواسطة ترعاه موسكو مع طهران، وجاء الرد الأول من طهران بالإعلان عن الاستعداد للانسحاب من الاتفاق النووي ما لم تتحقق لإيران العائدات المتفق عليها من هذا الاتفاق، ليقول للأميركيين إنهم لا يستطيعون التصرف على قاعدة أنهم نالوا التزام إيران بتقديم الضمانات التي طلبوها، وقاموا بحرمانها مما وعدت به بموجب الاتفاق، لتقول إيران لهم إنها جاهزة عندها للانسحاب لتقول إنها ضمنت إسقاط قرارات عقوبات أممية غير قابلة للتجديد لأن من انسحب من الاتفاق وأسقطه سواها، وأن هذا يكفيها من الاتفاق الذي يفقد كل قيمة ما لم يحقق العائدات الموعودة. وقد حقق المطلوب بإسقاط عقوبات مجلس الأمن الدولي وهي غير قابلة للتكرار مجدداً.

جاءت أحداث الفجيرة الغامضة لتقول إن عود ثقاب يكفي لإشعال برميل البارود، بينما وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو يصل موسكو في زيارة لثلاثة ايام يراهن عليها الأميركيون كثيراً في صياغة تفاهمات تمهّد للقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في اليابان الشهر المقبل، وسواء أكان ما جرى في الفجيرة هو انفجارات أم أعمال تخريب لسفن. فالحملات الإعلامية الخليجية وضعته في دائرة التجاذب الأميركي الإيراني، وصرّح الإعلاميون المحسوبون على دول الخليج، ومَن يُسمَّون بالمحللين والمصادر، بأن الكرة في الملعب الأميركي، وأن الأمور بين خياري تساهل أميركي يؤدي لإثبات المقولة الإيرانية بأن الملاحة في الخليج بما فيها تجارة النفط مرهونة بالتفاهم مع إيران، أو ردّ أميركي يستهدف إيران ويترجم التهديدات الأميركية.

– بومبيو في موسكو، وسيبدأ التفاوض، وملف العلاقة مع إيران في الصدارة، والتصعيد يستدعي قطع الزيارة، إلا إذا كان مجرد تصعيد كلامي أو استعراضي، غرضه التفاوض، وما دون التصعيد حديث عن التحقيق بلغة عقلانية، أو دخول في التفاوض، أو دعوة لضبط النفس، وكلها خيارات تعني أن نصائح جون بولتون بحشد الأساطيل في الخليج كان أسوأ ما يقترحه مستشار ذكي أو عاقل، فشيطنة إيران انتهت مهمتها منذ زمان، وصار المقياس هو ما يمكن القيام به من أفعال في مواجهتها، واللحظة في ذروتها وكل امتناع إعلان إفلاس استراتيجي، وكل إقدام دليل تحقيق للمقولة الإيرانية التي تقول إن العقوبات الأميركية على إيران تعرِّض أسواق النفط العالمية للخطر.