Get Adobe Flash player

يمكن تفهّم المواقف الصادرة عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي التي تذهب أبعد من نفي مسؤوليتها عن الصواريخ التي استهدفت تل أبيب ليل أمس، وذهاب بعض مسؤولي الحركتين إلى حد اعتبار الصواريخ عملاً يهدف لجر قطاع غزة وقوى المقاومة إلى مواجهة يظن البعض أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحتاج جولة تصعيد يصرف رصيدها انتخابياً، لكن التدقيق في مدى قدرة نتنياهو على توظيف الصواريخ وأي جولة تصعيد تليها، يطرح سؤالاً جدياً عن مدى قدرة كيان الاحتلال على الدخول في مواجهة ستنتهي حكماً قبل موعد الانتخابات، دون أن تكون النهاية مريحة لنتنياهو وفقاً لما تقوله موازين القوى، من جهة، ومن جهة مقابلة، مدى قدرة قوى المقاومة على الامتناع عن ردود قاسية في أي مواجهة، ومدى قدرتها على تفادي استهداف تل أبيب بعد ما مثلته الصواريخ، وفي النهاية مدى قدرتها على تقديم تنازلات من هيبتها ومن حساب معادلات الردع لمنح نتنياهو وجيش الاحتلال سلّماً للنزول عن الشجرة .

الأكيد، رغم كل المواقف والتحليلات، أن شيئاً نوعياً كبيراً حدث ليل أمس، هو حدث نوعي كبير وغير مسبوق أياً كانت الجهة التي تقف وراءه، سواء أعلنت مسؤوليتها أو أغفلت ذلك أو ربما رأت أن الأفضل هو نفي المسؤولية، ففي كل الحالات الحدث مفاجئ للجميع ويمثل تحولاً في قواعد الاشتباك مع كيان الاحتلال منذ قيامه قبل سبعين عاماً، ففي كل الحروب التي مضت عام 1947 وعام 1956 وعام 1967 وعام 1973 وأعوام ما بين 1982 و2000 وصولاً إلى حرب عام 2006، لم يسقط صاروخ على تل أبيب، وبقيت تل أبيب حصناً محمياً بعيداً عن التهديد، وإن تمّ تهديد تل أبيب فقد بدا أنه تهديد عابر، أو أن كيان الاحتلال قد تمكّن من احتوائه وإلغاء فرص تكراره بخلق واقع عسكري جديد في الجغرافيا التي شكلت مصدر هذا التهديد، سواء في مصر جمال عبد الناصر أو في العراق أو في سورية، بينما يقف كيان الاحتلال أمام حقيقة جديدة، فهو مضطر للاعتراف بأن استهداف تل ابيب سيصير مشهداً مألوفاً في أي مواجهة تخوضها حكومة الاحتلال مع أي من أطراف محور المقاومة. فالصواريخ التي تطال تل أبيب موجودة، وقادرة، والقبة الحديدة عاجزة عن منعها، وما يملكه الذين هم أقل يملكه الذين هم أكثر، وما يستطيع فعله أطراف غير رئيسية في غزة تستطيعه الأطراف الرئيسية، كما تستطيعه المقاومة في لبنان ويستيطعه الجيش السوري وقوى الحشد الشعبي في العراق وبالتأكيد تستطيعه إيران.

هذه صورة رمزية تلتقطها الكاميرات الإسرائيلية لما سيكون عليه التحدّي مع أي مواجهة مقبلة، فبعدما كان استهداف تل أبيب نظرياً كفرضية قابلة للتأكيد، صار واقعاً، قابلاً للتكرار، ومثلما قال رئيس لجنة الاستخبارات الوطنية الأميركية دان كوتس أمام مجلس الشيوخ، التصعيد الإسرائيلي في ظل توازنات هشّة وغياب سقوف سياسية سيجلب خطر الانزلاق إلى مفاجآت تصعب السيطرة عليها، والذين يتحدثون عن مصالح إسرائيلية بالتصعيد أو الذين يقولون إن نتنياهو يحتاج إلى جولة تصعيد يتجاهلون أنه كان قبل شهور يصول ويجول في الغارات على سورية وقد توقف عنها، ويتجاهلون أن كل حرب أو نصف حرب تحتاج إلى استراتيجية خروج، فنتنياهو يملك قرار بدء الحرب، لكنه لا يملك خريطة طريق واضحة لإنهائها، وحماس والجهاد والفصائل يملكون قدرة التبرؤ وحتى الإدانة للصواريخ، لكنهم لا يملكون الصمت والتفرج إذا بدأت الحرب، وبعد ظهور الصواريخ على تل أبيب، لن يكون مقبولاً أن تقع المجازر وتبقى الصواريخ المشابهة في المستودعات!

– بالنسبة لأجيال عربية عاشت مراحل الانكسارات، وعاشت مع المقاومة زمن الانتصارات، تحقق ليل أمس حلم عتيق، يدخل الفرحة إلى القلوب بعيداً عن التحليلات، إن تجرّع نتنياهو ذل الصواريخ تحقق ميزان ردع جديد، وإن ردّ بحرب أجبر مالكي الصواريخ الأشدّ قدرة على إخراجها من المستودعات.