يشكل حجم الاهتمام الذي يوليه حزب الله لمعركة مكافحة الفساد الفرصة الأهم للفوز بها، ويشكل خطاب السيد حسن نصرالله الأخير خريطة طريق واضحة سواء لجهة اليقين بالحاجة للنفس الطويل، أو لجهة العلاقة العضوية بين هذه المعركة ومعركة أكبر منها هي معركة بناء الدولة، وإلا سيكون على المهتمّين بمكافحة الفساد أن يتعايشوا مع حقيقة اسمها بقاء ونمو الفساد، وانشغالهم واشتغالهم بملاحقة نتائجه، بينما المطلوب هو العمل على اتجاهين بالتوازي، اتجاه يمتلك الكثير من عناصر الإثارة ومواجهة الكثير من التعقيدات. وهو اتجاه تصفية آثار الماضي الممتدّ لربع قرن، هو عمر غياب قطع الحساب في المالية العامة، وما سيكشفه التدقيق بالتقارير التي أعدّتها وزارة المالية عنها، واتجاه مستقبلي يرمي لقطع الطريق على مواصلة الغرق في مستنقعات الفساد والهدر، وهو اتجاه لا يثير الإعلام ولا يستهوي الرأي العام وفضوله، لكنه الأهم والأخطر والمصدر الرئيسي للحكم على نتائج الحملة، وفيه من الأبعاد التشريعية والإجرائية التي تتصل بالإنفاق العام والدين والنظام الضريبي والمشاريع والأولويات والتلزيمات والتعيينات، الكثير الكثير، ليصير أقرب إلى رسم استراتيجية شاملة لبناء الدولة وماليتها وقضائها ومؤسساتها .

لا يمكن الاختفاء في هذه المعركة تحت عنوان عام هو اللجوء إلى القضاء. فهذا قد يشكل نصف معركة الاتجاه الأول المتصل بتصفية ما مضى من فساد، لكنه لا يجيب على التحدي الأهم، وهو الاتجاه الثاني، وهو كيفية تجفيف مستنقعات الفساد، أي انتظام أداء مؤسسات الدولة وفقاً لمعايير قانونية صارمة وسلسة وواضحة وشفافة، بدءاً من الاستدانة، وإدارتها وخدمتها، مروراً بهيكلة القطاع العام وحجمه والربط بين أعبائه وعائداته، وصولاً إلى مشاريع الخصخصة وأنواعها ومجالاتها وما يدور فيها وحولها، ودائماً بوضع آليات لا تقبل المساومة في مجالي التعيينات والتلزيمات، والكثير من الذين يقفون بكل أمل على الضفة التي يقف عليها حزب الله في مواجهة تحديات تصفية تركة الماضي الثقيل، وفتح الملفات، ويرون صحة إعطاء الأولوية لتدقيق المحاسبة العمومية للمالية العامة وفقاً لتقارير وزارة المال ونتائج تحقيقات ديوان المحاسبة، والتحقيقات القضائية، ويأملون فشل كل محاولات تأمين الغطاء لأحد من الذين تجب مساءلتهم، وهم يبدون قلقهم من قواعد النظام الطائفي الصلب في قدرته على مقاومة أي إصلاح، لا يستطيعون تجاهل قناعتهم بأن الفوز بالمعركة في الاتجاه الثاني، أي مستقبل بناء الدولة، مستحيل بدون تغيير جذري في بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية.

الأسئلة الكبرى التي تنتظر جواباً في السياسة، تطال مبدأ وإمكانية الحديث عن انتظام مؤسسي في التلزيمات والتعيينات، في ظل التنظيم الطائفي لكل شيء في الدولة، بما في ذلك ما نص الدستور على تحريره من القيد الطائفي، كما تطال التساؤل حول كيفية إنتاج سياسة منهجية للدولة في مقاربة مسائل كالدين والخصخصة والمفهوم الضريبي وخطط التنمية، عبر المناقشات التي تتم في مجلس الوزراء بالقطعة والمفرق، لمشاريع بعينها، بينما المطلوب جواب بالجملة، لا ينتجه إلا حوار وطني جاد يطال السعي لتلبية حاجة ملحّة، هي كيف نبني الدولة التي فشلنا ببنائها خلال ثلاثة عقود، وهل يمكن الفوز ببنائها دون المساس بالتنظيم الطائفي للدولة، أو البعد السياسي الفتاك الذي يمثله فيه قانون الانتخابات النيابية، أما الاكتفاء بالتدقيق في البنود التي تطرح على مجلس الوزراء بعين البحث عن مخالفة أو شبهة لمنع وقوعها، فلن يفعل سوى تجميل التفاصيل في مشروع إجمالي لدولة عاجزة عن تلبية تطلعات مواطنيها، من دون إعادة نظر جذرية في بنيتها ومؤسساتها، ووضع خطط متكاملة لكيفية أداء وظائفها، وإصلاح هيكلها السياسي أولاً لتكون دولة أقوى من الطوائف، التي باتت العلاقة التناسلية بينها وبين المحسوبية في التعيينات والحصص في التلزيمات بوابة الفساد الكبير، الذي لا تمنعه المناقصات، ولا تحول دونه الامتحانات، فقبل النقاش بدرجة الشفافية في مناقصة بيع رخص الخلوي، يجب النقاش حول هل للبنان مصلحة ببيعها، وقبل البحث عن شفافية ونزاهة في تلزيم القطاع الخاص عملية إنشاء وإدارة محطات توليد الكهرباء يجب أن يكون لدينا قانون لمنع الاحتكار.

– الأكيد أن قرار حزب الله بمنح جزء كبير من اهتمامه للوضع الداخلي، من البوابة المالية الاقتصادية، ناجم بالفعل عن استشعار الخطر الذي ينتظر لبنان ويهدد بالانهيار، لذلك سيبقى السؤال هو كيف نمنع هذا الانهيار؟ وهل يمكن في نظام المحاصصة الطائفية الفوز بهذه المعركة؟ وهل يمكن تحقيق أهدافها دون استراتيجية متكاملة توضع تحت سقف الدستور لبناء دولة المؤسسات، وتجيب على الأسئلة الأساسية وفقاً لرؤية تأخذ طريقها نحو الصدور بقوانين ومراسيم، في مجالات النظام الضريبي، والخصخصة، ومعايير الاستدانة وشروطها، وكيفية إدارة معركة الثروة النفطية واستثمارها، وكلها بنود يسيل عليها لعاب الداخل والخارج، والهدر في الثروة الوطنية لا يهدده الفساد أكثر مما تهدّده الخيارات الفاسدة، ومن حق المتطلعين للزخم الذي منحه دخول حزب الله على خط خوض هذه المعركة وما يمنحه لها من حيوية وصدقية، أن ينتظروا من حزب الله أكثر من مشاريع متفرقة لمأسسة آليات الإنفاق والرقابة، فالمطلوب رؤية شاملة لبناء الدولة، تبدأ بالإجابة عن سؤال أي دولة نريد، وقد حاول اللبنانيون أن يروا في اتفاق الطائف خريطة طريق نحو الخروج من الصيغة الطائفية للنظام السياسي، بلوغاً للدولة المدنية. والمشروع متعثر منذ زمن ولا يزال، فهل يشكل تدخل حزب الله قوة الدفع اللازمة لتطبيق الممنوع تطبيقه من اتفاق الطائف، على قاعدة الترابط بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والإصلاح المالي والإصلاح القضائي، انطلاقاً مما قاله الطائف عن مجلس النواب المنتخب خارج القيد الطائفي ومعه إنشاء مجلس الشيوخ، إلى بناء السلطة القضائية المستقلة، وتحقيق اللامركزية الإدارية البعيدة عن كل شبهات الفدراليات المقنعة، انتهاء بالتكامل الاقتصادي مع سورية وعبرها مع المحيط الإقليمي؟