Get Adobe Flash player

خصّص الرئيس فؤاد السنيورة مؤتمره الصحافي لمحاولة تغيير وجهة الاستقطاب السياسي القائم تحت عنوان مكافحة الفساد إلى محاولة استنهاض جبهة داخلية خارجية بالتزامن مع الحملة البريطانية المدعومة من واشنطن والرياض وتل أبيب تحت عنوان «أيّها اللبنانيون إنّ مشكلتكم هي حزب الله ».

حزب الله ماضٍ في تجاهل محاولات جرّه إلى ملاعب مرسومة للمواجهة تحت هذا العنوان ومتمسّك بضبط النفس كي يبقى العنوان هو مكافحة الفساد وكي يكون معيار الاتهام والتبرئة هو القانون وتكون الجهة التي تبتّ بالقضايا التي تحوم حولها الشبهات هي القضاء.

سيتحمّل حزب الله وكلّ الذين يريدون للمعركة ضدّ الفساد أن تأخذ طريقها الصحيح الكثير من الشتائم والاتهامات ومحاولات الجذب إلى ساحات السجال من النوع الذي شهدناه في المؤتمر الصحافي للرئيس السنيورة.

ببساطة قوى المقاومة جاهزة بتوقيت آخر لفتح النقاش حول المفهوم المزعوم للدولة ضمن الدولة وحول الإمساك بقرار السلم والحرب. والأهمّ حول تقدير الأضرار والأرباح الاقتصادية لقوة المقاومة الرادعة وبالأرقام، سواء في صناعة الاستقرار وجذب الاستثمار أو في ملف النفط والغاز، لكن ليس للتغطية على القضية المطروحة اليوم على الطاولة وهي قضية لم يستطع السنيورة إنكار وجودها واسمها انتظام المالية العامة للدولة.

الأرقام التي قالها السنيورة عن المبالغ التي يدور النقاش حولها أيّ قضية الـ11 مليار دولار ليس مكانها المؤتمر الصحافي، بل جهة مؤتمنة على البتّ بالأرقام الآتية من هنا أو هناك للخروج بحقيقة واحدة لا تحتمل التأويل.

موضوع السنيورة هو القول إنّ هناك معركة في الرأي العام حول الخيارات السياسية المتقابلة، وأيّ منها يكلف الدولة أكثر ويحمّلها المزيد من الأعباء؟ وفي الجعبة الكثير مما يمكن قوله حول مَن حوّل قضية النزوح السوري تجارة على حساب لبنان وحوّل العلاقة اللبنانية بسورية ومن خرّبها وجعل لبنان شريكاً في قرار الحرب الأميركية الإسرائيلية السعودية على سورية؟ وبالتالي مَن خطف قرار الحرب والسلم من مؤسسات الدولة خارج الإجماع الوطني، ولا يزال يُعيق المصلحة الوطنية بتطبيق ما نص عليه اتفاق الطائف الذي يتغنّى به السنيورة، لجهة إقامة أفضل العلاقات مع سورية وبإعادة عاجلة للنازحين السوريين بالتعاون مع الدولة السورية.

قضية حزب الله هي أن يقول إنه بمعزل عن كلّ المعارك والانقسامات السياسية التي تعصف بلبنان هناك إجماع لبناني ودولي على وجود إدارة سيئة للمال العام وإجماع على اعتبار المساءلة عنواناً إصلاحياً مطلوباً من اللبنانيين، ومن الذين يصفهم السنيورة وفريقه بالمعنيين مالياً بالوقوف مع لبنان. وفي هذا الملف هناك سنوات ضياع مالي يجب توثيقها وتنظيمها وتبيان الحقائق المغيّبة عنها ومنها قضية الـ11 مليار دولار، ولا مانع من مناقشة باقي القضايا التي يرغب السنيورة وسواه بإثارتها حتى لو كانت تحت عنوان استهداف حزب الله. فلكل مقام مقال ولكلّ سؤال جواب، لكن ليس لحرف الانتباه وتضييع الجهد عن القضية الرئيسية المطروحة.

كان بمستطاع السنيورة أن يقول ما قاله، وأن يتّهم حزب الله بما يشاء، لكن مواصفات رجل الدولة كما يُفترض بكلّ مَن يتولى المسؤولية العامة أن يكون، تستدعي أن يختم الكلام بالقول، ورغم كلّ الملاحظات على حزب الله، فالقضية المطروحة يجب جلاؤها، معلناً استعداده لتقديم ما يلزم من إيضاحات أمام جهة قضائية نزيهة لتقول الكلمة الفصل. وهنا كان بإمكانه أن يتحفظ على المثول أمام أي هيئة قضائية دون أن ينصّب نفسه مرجعاً صالحاً لمراقبة عمل القضاء وإصدار الأحكام عليه، لكن ليقول إنه جاهز للمثول أمام هيئة قضائية ذات صفة، كأن يقول إنه يدعو لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في الملف تستعين بالخبراء والشركات المالية التي سوّق لها السنيورة في مؤتمره الصحافي، طالباً أن تحال قضية الـ11 مليار دولار بحصيلة التحقيق إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لأنه، أيّ الرئيس السنيورة، لن يقبل براءته من هيئة أقلّ شأناً من هذا المجلس لأنه، أيّ السنيورة، ضنين بتكريس مبدأ المساءلة والمحاسبة، وتسجيل سابقة مثول الرؤساء والوزراء أمام الهيئات القضائية المختصة، لأن لا أحد فوق القانون، وعندها يمكن للسنيورة أن يختتم بالقول، بعدما ننتهي من هذا الملف لنا كلام آخر.

لم يفعل السنيورة شيئاً من هذا، وما فعله السنيورة هو تغطية السموات بالقبوات، وخلاصته الرقمية هي القول إنه رغم النقص في القيود المالية فإنه كان يقوم باستخدام الأموال المعنية لسداد حاجات ملحة للدولة، ولأنّ الرئيس السنيورة أظهر حباً باستخدام الأمثلة والحكم الشائعة، يمكن اختصار الجواب بالاستعانة بما قيل رداً على معادلة تبرير الأفعال السيئة بالأفعال الخيّرة، ويختصره القول البسيط، «لا تزني ولا تتصدّقي».