Get Adobe Flash player

سمعنا على مدى يومين عدداً من النواب يتحدثون عن معادلة قديمة جديدة في الحياة السياسية اللبنانية، عنوانها استرداد الدولة ما يسمّونه قرار الحرب، وباعتبار أنّ المقصود هو سلاح المقاومة، وليس في مفردات المقاومة الذهاب لسلم مع كيان الاحتلال كي نستعمل المصطلح الكامل الذي يقوله أصحابه وهو قرار الحرب والسلم، وبالعودة لقرار الحرب الذي يعتبر النواب ومعهم من خلفهم من قوى سياسية يفترض أنها تحسب كلامها ومعادلاتها وخطابها، من المهمّ بداية لفت النظر إلى أنّ أغلب المتحدّثين عنه، يربطون به قيام الدولة، وصولاً للفوز بخطط مكافحة الفساد، وهم يتساءلون باستغراب: «كيف يمكن لدولة لا تملك قرار الحرب والسلم فوق أرضها أن تتمكّن من الفوز في معركة مكافحة الفساد؟» مستنتجين أنها معركة سيادة الدولة التي ينفصل بعضها عن بعض. وما يعنيه الكلام بصورة مباشرة تشريعاً لفساد طالما لم تستردّ الدولة بنظرهم قرار الحرب .

بالعودة إلى المعادلة نفسها، آملين بصدق أن نقرأ أو نسمع نقاشاً لما سنقوله، من أصحاب المعادلة ومسوّقيها، السؤال البسيط هو كيف يمكن إمساك الدولة بقرار الحرب، كي لا نقع في استعمال مصطلح مفخّخ يهدف لتظهير المقاومة كمغتصِب قرار الدولة بالحرب، والذي يستتبعه أصحاب المعادلة بالدعوة لسقف أدنى هو وضع سلاح المقاومة تحت إشراف الدولة، وسقفه الأعلى نزع هذا السلاح من يد المقاومة. وبالمنطق المصلحي البراغماتي وبعيداً عن مناقشة ما إذا كانت الدولة قادرة على القيام بدورها من جهة، وبالدور الذي تقوم به المقاومة من جهة أخرى، رغم التفاوت البنيوي بين الدولة والمقاومة والذي ينعكس حكماً على أهلية قيام أيّ منهما بدور الآخر، سنسير بمنطق أصحاب المعادلة تسهيلاً للنقاش وتبسيطاً لعرض الوقائع والمعادلات المنطقية عندما تكون الخلفية وطنية صادقة، وليست مجرد كيد سياسي، أو تحقيق رغبات خارجية يشكل مجرد تبنّيها طعناً بوطنية أصحابها وادّعائهم منطلقات سيادية لمعادلاتهم.

مصلحياً، لا مصلحة للدولة ومكوّناتها التي تمثلها القوى السياسية، خصوصاً الممثلة في المجلس النيابي والحكومة، منح جيش الاحتلال الذي يتربّص بلبنان وحدوده البرية والمائية وينتهك أجواءه، ومن ورائه قيادته السياسية، أيّ مكسب من النقاش اللبناني والقرار اللبناني المتصل بإدارة الدفاع عن لبنان، طالما خلفيات المشاركين بالنقاش والقرار وطنية خالصة، وإذا كان المطلوب وقوف المقاومة عملياً وراء الجيش اللبناني كقوة دفاعية احتياطية في مواجهة أي عدوان، لا تقدّمها عليه. وهذا هو المفهوم العملي لما يسمّونه إمساك الدولة بقرار الحرب. فالمنطقي ليس البدء بالخطوة الأولى من عند المقاومة بمطالبتها بإعلان خضوعها لقرار الدولة في الحرب، وهو إعلان لن يفعل سوى إشعار كيان الاحتلال بتحقيق ربح مجاني، يتمثل بإشعار المقاومة بأنها محاصرة في داخل بلدها، ودفع الضغوط على لبنان والمقاومة للمزيد من التصعيد أملاً بتحقيق المزيد من القيود على المقاومة، بينما عندما تكون الخطوة الأولى عملياً وليس إعلامياً من طرف الدولة، فيصير مفعولها عكسياً على معنويات كيان الاحتلال وثقته بجدوى الضغوط، ومثله كلّ مَن يساند هذا الكيان، خصوصاً ما يمثله الموقف الأميركي ومن ورائه بعض الغرب والعرب.

عملياً وواقعياً، يسهل على أيّ طرف تحرّكه الحسابات الوطنية فقط، أن يبدأ بالسؤال عن حقيقة وجود احتلال لأرض لبنانية ووجود تهديدات ونيات عدوانية إسرائيلية. وعندما يكون الجواب إيجابياً، يصير السؤال البديهي طالما أنّ الدولة هي المعنية بتحرير الأرض المحتلة وردّ الاعتداءات ووقف الانتهاكات للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، كيف يمكن للدولة فعل ذلك، والسير بالخطوات العملية التي تترجم تمكين الدولة من تحقيق هذا الهدف؟ وإذا تساهلنا مع أصحاب معادلة إمساك الدولة بقرار الحرب وقبلنا تأجيل البحث باستراتيجية وطنية للتحرير، وقد فشلت كلّ الرهانات على إنجازه دبلوماسياً منذ العام 2000، كما فشلت بعد القرار 1701 الذي نص على تكليف الأمم المتحدة بإنهاء قضية الأراضي اللبنانية المحتلة، ونكتفي مؤقتاً، بالتساؤل: ماذا يجب أن تفعل الدولة لمنع الانتهاكات وردّ العدوان، طالما أنّ الجهد الدبلوماسي اللبناني الضروري والمفيد ليس كافياً بدليل مواصلة كيان الاحتلال بناء الجدار الإسمنتي على الأراضي اللبنانية ولتهديد ثروة لبنان النفطية في المياه الإقليمية للبنان وانتهاك مستدام ومتمادٍ لأجوائه؟

الجواب البسيط هو أن تقوم الدولة بامتلاك الأسلحة التي تمكّن جيشها من التصدّي للانتهاكات وردّ العدوان، وجعل جيشها قادراً على تولي المهمة، وعندما يقف مساندو خيار المقاومة لمنع ذلك، مواجهتهم باعتبار أنهم يحولون دون إمساك الدولة بحقها السيادي وهو قرار الحرب، والذي يحصل فعلياً أنّ أهل المقاومة وقادتها هم الذين يطالبون الدولة بفعل ذلك، ويعرضون استعدادهم للمساهمة في تمكين الدولة من الحصول على الأسلحة التي يحتاجها الجيش اللبناني لتتمكّن من وقف الانتهاكات للأجواء اللبنانية والاعتداءات على المياه والأراضي اللبنانية، وهي ببساطة عملية أيضاً معلومة جداً، شبكة دفاع جوي وصواريخ أرض أرض متقدّمة، وصواريخ أرض بحر فعّالة، وشبكة رادارات متقدّمة لرصد تحرّكات جيش الاحتلال براً وبحراً وجواً، ويعلم دعاة إمساك قرار الحرب، أنّ المترتّب طبيعياً على تمكين الجيش من القيام بهذه المهمة، سيجعل المقاومة تلقائياً قوة احتياطية تساند الجيش اللبناني عند الحاجة، وتقف وراءه في مواجهة قرار الحرب «الإسرائيلي» عندما يصير تدخّل المقاومة ضرورة، ويجب وفقاً لنظرية هؤلاء اعتبار هذا إنجازاً كبيراً في سعيهم إذا كانت خلفياتهم وطنية فقط.

السؤال الطبيعي هو لماذا تقشعر أبدان هؤلاء كلما جرى الحديث عن امتلاك لبنان شبكة دفاع جوي؟ ولماذا يصيبهم الذعر إذا سمعوا بمصادر دولية مستعدّة لتزويد الجيش اللبناني بما يحتاجه في مواجهة «إسرائيل»؟ وهم يعلمون أنهم عندما يقولون إنّ الجيش اللبناني وحده يتولى مسؤولية الدفاع عن لبنان، يتحدثون عن إلقاء عبء مواقفهم السياسية الغامضة، على الجيش الذي يفترض بهم عندما يتحدثون عن مسؤوليته الدفاعية أن يوفروا له وسائل هذا الدفاع، وروسيا متاحة، وربما فرنسا، والمال الخليجي يفترض أن يتحمّس لتسديد متوجبات شراء هذا السلاح طالما أنّ التنافس مع إيران يحرّك الأوروبي والخليجي، واللبنانيون سمعوا عن هبة الثلاثة مليارات دولار من السعودية للبنان لتسليح الجيش، وعن صفقة مع فرنسا لهذا الغرض، قبل سحب العرض والصفقة، فلمَ لا يذهب هؤلاء إلى السعودية وفرنسا ليفقأوا حصرمة في عيوننا، بجهوزيتهم السيادية ودعم حلفائهم لها، ولبنان بالمناسبة بدون قوى مقاومة في الحكم كان أشدّ شجاعة في فعل ذلك قبل نصف قرن عندما قصد فرنسا لشراء شبكة صواريخ كروتال للدفاع الجوي، من دون أن تقيم حكوماته المتهمة بالتبعية والمطعون بوطنيتها، قياساً بحكومات اليوم، أيّ حساب لغضب واشنطن وغير واشنطن، فلماذا لا يفعل السياديون ذلك؟

– ببساطة هذه خارطة طريق سهلة وواضحة للإمساك بقرار الحرب، وهي خارطة طريق تشجعها المقاومة، ولا تحتاج سجالاً داخلياً، ولا تمنح كيان الاحتلال أيّ مكسب معنوي أو مادي، بل بالعكس يكفي حدوث ذلك ليكتشف حماة كيان الاحتلال أنّ المزيد من الضغوط على لبنان ستخلق نتائج عكسية على كيان الاحتلال وتُعقّد قدرته على العدوان، فهل من وطني سيادي لا يفرحه ذلك ويتفادى السجال الاستفزازي الداخلي الذي يُفرح العدو، إنْ كانت حساباته وطنية، ولا نقول فقط هذه المرة؟