Get Adobe Flash player

اعتمد رئيس حكومة الاحتلال منذ تسليمه الضمني بتغير موازين القوى لغير صالح جيش الاحتلال، أمام قوى المقاومة والمحور الداعم لها من سورية إلى إيران ومن خلفهما بطريقة أو بأخرى الحضور الروسي الفاعل في المنطقة، على نصيحة مخابراته بتبديل المنهج الاستراتيجي القائم على توظيف الحرب النفسية في خدمة استعمال الجيش والقدرة العسكرية، إلى استخدام الجيش والقدرة العسكرية وتوظيفهما في خدمة الحرب النفسية، والتفسير الظاهر للاستبدال يقوم على فرضية صحيحة، وهي أن الهزائم تقع في النفوس قبل أن تقع في الميدان، لكن ما ينقصها عملياً هو أن يكون من يخوضها منتصر نفسياً، وليس مهزوماً، وألا يكون مكبلاً بفعل هزائم الميدان فيهرب إلى اللعبة النظرية للتذاكي حول أولوية الحرب النفسية أم الحرب العسكرية، لأن النظرية تصلح فقط للجاهزين لخوض حروب الميدان والقادرين على صناعة النصر فيه، فتصير هاماتهم وهالاتهم وسباباتهم كافية لتجنيبهم خوض الحروب في الميدان الذي لا يهابون اختباراته ولا يتهرّبون من استحقاقاته .

وفقاً للمعادلة الجديدة لمخابراته، كانت أنصاف الحروب التي خاضها نتنياهو في مواجهة سورية وغزة وانتهت بعكس رغباته وخطط مخابراته. فالعمليات التي أريد لها أن ترفع المعنويات، وتردع الجيش السوري والمقاومة الفلسطينية، رسمت المزيد من الخطوط الحمراء تباعاً وبالتراكم التصاعدي أمام قدرة جيش الاحتلال، الذي كان يأتي لكل جولة جديدة مثقلاً بمعادلات وقواعد اشتباك أشدّ قسوة ورثها من المواجهة التي سبقت، حتى تثبتت مصادر القوة على الجبهتين بردع معاكس صارت معه يد الاحتلال مغلولة، إلا في حال تخطّت عقدة الخوف من المغامرة الكبرى، وما تعنيه من خطر الانزلاق إلى حرب شاملة، يدفع خلالها فواتير باهظة من دم جنود الكيان ومستوطنيه، والدمار والخراب في منشآته وعمقه الاستراتيجي، وبلوغ مرحلة الخروج عن السيطرة في المواجهات البرية.

في لعبة خداع نظري جديدة وجدت مخابرات نتنياهو ضالتها، عندما انتبهت لكون القلق من الخروج عن السيطرة ناجماً عن تبدل معادلات المواجهة البرية، التي كان الاحتلال يهدّد بها قبل حرب تموز 2006 ملوحاً باجتياحات خاطفة لسحق قوى المقاومة، وصارت شيئاً فشيئاً قلقاً إسرائيلياً من توغل المقاومة في الجليل، مع كلام واضح لسيد المقاومة بأن خيار الجليل صار خياراً واقعياً وجاهزاً في أي مواجهة مقبلة بالنسبة للمقاومة. وجاءت النظرية الجديدة لمخابرات نتنياهو، إسقاط خطر المجهول، وخطر الخروج عن السيطرة مدخله حرب آمنة على الأنفاق قرب حدود لبنان، لا تورط في حرب وتستعرض قدرة الردع، وتبطل مفعول الأنفاق، وتصير استعمالاً بارداً للقوة العسكرية في حرب نفسية رابحة، فكان درع الشمال، وخلال أيام من بدء العملية تتراكم حقائق نتائجها، مع تفاعل الرأي العام في الكيان مع الصور والأخبار الواردة من الجبهة، وهي تعرض صوراً لأنفاق تقول إن حزب الله حفرها من الجنوب اللبناني نحو الجليل وتبدو الأنفاق مرعبة، ومجهّزة ومهيأة لنقل المقاتلين، وتقول الأخبار وفقاً للقنوات التلفزيونية الإسرائيلية، إن هذه الأنفاق كانت معدّة للسيطرة على واحدة من التجمعات الاستيطانية وخطف من فيها رهائن، وفي صور أخرى تنقل الفضائيات، صور جنود لبنانيين يصوّبون بنادقهم على جنود الاحتلال ويجبرونهم على التراجع، وصور أخرى لحياة عادية في الطرف اللبناني من الحدود وسخرية من «العراضة الإسرائيلية».

يتساءل الكثير من محللي الصحافة والتلفزيون في كيان الاحتلال، لماذا يتم ذلك علناً لو كنا أقوياء، ألم يكن من الأفضل عسكرياً الحفاظ على هذه الأنفاق واستعمالها عكساً؟

يأتي الجواب، أنه في زمن الانهزام النفسي والفشل الميداني تصير الحرب النفسية، حرباً معكوسة يشنّها نتنياهو على معنويات مستوطنيه بدلاً من أن تستهدف معنويات المقاومة وجمهورها.

– ما تتحسّب له مخابرات نتنياهو الآن هو ما بدأ يصل إلى مسامعها عن توازن قانوني يتجه لبنان لإقامته بين أنفاق حزب الله والطلعات الجوية الإسرائيلية، ومطالبة الأمم المتحدة بربط الإدانة بالإدانة والتحرك لوقف هذه بوقف تلك، فتكون «دجاجة حفرت على رأسها عفرت».