Get Adobe Flash player

قبل اندلاع موجات الربيع العربي الذي أدارت عبره واشنطن، بواسطة وكلائها العرب والإقليميين، كرة نار حملها الأخوان المسلمون والوهابيون باسم الديمقراطية، كان السودان واحداً من الذين يناهضون السياسات الأميركية، ويدفعون فواتير وقوفهم مع المقاومة في لبنان وفلسطين، وكانت علاقات الرئيس عمر البشير بالرئيس بشار الأسد من أفضل علاقات التشاور والتعاون والثقة، وعندما تبلورت الصورة الجديدة في ربيع العام 2011، وبدأت ملامح الحرب على سورية، استشعر السودان ورئيسه بالخطر، وقرأ المشهد، ثم وصلته الرسائل تباعاً أنه على لائحة الاستهداف، التي يقول بعض منظري أكذوبة الربيع أنه عفوي، والعفوي كيف يمكن لحاكم قطر أن يستعمله سيفاً يلوح به في أيار عام 2011 برسالة للرئيس السوداني، استدر وبدل سياساتك، وإلا أنت الهدف التالي بعد سورية؟

قلب البشير بقي مع سورية، حتى عندما زار قطر في مطلع تموز 2011 والتقى أميرها الأب آنذاك، وبعدما قرر الاستدارة وترتيب أوضاعه، مقابل وعود بتحييد السودان عن الاستهداف، وتبلغ المقابل المعروض أميركياً بواسطة الأمير الكبير، وهو شطب السودان عن لائحة العقوبات والملاحقات، اعتقد أنه بات بمستطاعه أن يتحدث كصديق، فتساءل عن سر الحقد على الرئيس السوري الذي يفترض أنه كان أحد أصدقاء الأمير القطري، مقابل تفهّمه للحملة على الرئيسين المصري والليبي في ظل ما بينهما وبين أمير قطر من غيوم سوداء، واستغلّ البشير الإفطار الحميم الذي أقامه له الأمير ليتدخل أملاً بالتخفيف عن سورية، وكان جواب الأمير الضخم أن الأمر انتهى، والقرار اتخذ، والقضية أسهل من قلع ضرس، مشيراً بيده إلى قرب فمه الضخم أيضاً، قائلاً تحدّث بالباقين وليس بالراحلين، وقبل أن يضع البشير قدماه في الخرطوم، أوفد من ينقل لأصدقاء، ما حدث داعياً أن يوصلوا للرئيس الأسد الوقائع للانتباه، لأن «ما يحضَّر لسورية كبير وخطير».

خاض البشير رهانه، وليس هنا موضع التقييم، وتورّط في حرب اليمن، ونال بعض الإعفاءات، ولا زال السودان حقل ألغام مع الأخوان والوهابيين، لكن قلبه بقي مع سورية، والسؤال كيف قام الرئيس البشير بهذه الزيارة وهو مقيّد اليوم بتفاهمات مع السعودية وعبرها مع الغرب، وفي طليعته واشنطن، وهو لم يستطع القيام بأقل منها، كإيفاد وزير خارجيته إلى دمشق لإبلاغ الرئيس الأسد رسمياً ما أراد إيصاله يومها عبر الأصدقاء، وكان لا يزال حراً أكثر من اليوم، ولا يمكن عزل التوقيت الذي أتاح ترجمة رغبة البشير بأن يكون في طليعة الذين يعبرون عن عاطفتهم تجاه سورية ورئيسها، عن بُعدين رئيسيين في تطورات السنوات الثماني من الحرب على سورية، الأول تمثله الانتصارات الباهرة لسورية ورئيسها وجيشها باعتراف أعدائها بلا استثناء، والثاني تمثله محاولات التموضع على ضفاف الحوار مع سورية التي تظهرها دول محور الحرب على سورية وفي طليعتهم السعودية، التي يشاركها البشير في حرب اليمن، وله عليها دين وقفة تاريخية مكلفة معنوياً وبشرياً، ولها عبر البشير فرصة وصل يتداخل فيها الشخصي العاطفي الصادق بالسياسي المنطلق من القناعات الواحدة بالقضايا العربية وموقع سورية فيها رغم اختلاف طريق التعامل مع الظروف والتحديات، فيكون الحوار مع الرئيس الأسد هو الأقرب لوصول الرسالة، التي يرغب البشير بتقديمها كإنجاز قام بتحقيقه، فيما يرغب السعوديون بالحصول على أفضل الأجوبة الممكنة على رسالتهم، ويتمعن الرئيس الأسد في تفاصيل التفاصيل، للفصل بين العلاقة مع السودان ورئيسه، وتثمير التلاقي نحو الأفضل، وبين التعامل مع الرسالة إيجاباً بما يُنجح مسعى البشير، وهو الأحق كصديق صادق بالإفادة من أي تقارب لسورية مع مَن خاضوا الحرب عليها، لكن بما لا تضيع فيه العناوين والثوابت والتفاصيل عن محورها الحقيقي. فالأمور ليست حملة علاقات عامة، والتفاوض على أشياء كثيرة يجب أن يسبق أي قرار بإعادة العلاقات سواء مع السعودية أو مع الجامعة العربية أو مع كليهما.

– البشير يلتقط لحظة الانتصار السورية لتسويق الانفتاح عليها خليجياً وعربياً من البوابة السعودية. والسعودية تلتقط لحظة العلاقة السودانية السورية الدافئة لفتح الباب للاستدارة نحو سورية. وسورية تلتقط كليهما، لتفصل حيث يجب الفصل بين اللحظتين، وتوصل حيث يجب الوصل بينهما، وفي الأولى للقلب والعاطفة دور كبير، وفي الثانية تحييد للقلب والعاطفة لأن ليس فيهما إلا المرارة، وتحكيم للعقل البارد بعيداً عن العاطفة الحارة تجاه السودان والبشير. يكفي قبول النقاش بالفكرة تكريماً للبشير أول رئيس عربي يزور سورية معلناً باسم الآخرين سقوط زمن المقاطعة.