Get Adobe Flash player

كان أول من انتبه لمعانٍ خاصة بـ»إسرائيل» تحملها الانتخابات الأميركية هم الإسرائيليون أنفسهم. وقد أفردت الصحف الإسرائيلية صفحات تحليلية خاصة بالمعاني التي يجب أن تنتبه لها «إسرائيل»، والعبر التي يجب أن تتعلمها من هذه الانتخابات ونتائجها. فكل ساسة كيان الاحتلال يدركون حجم الاعتماد المتزايد لكيانهم على أميركا في السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية، وصولاً لتحول الكيان محمية أميركية، حيث فقد جيش الاحتلال القدرة على الحروب، وحيث الاقتصاد مرتبط بالأمن، والأمن مرتبط بالقدرة على الحرب أو السلام، و»إسرائيل» فاقدة القدرة على كليهما .

في عهد بنيامين نتنياهو ظهر هذا الاعتماد الكلي لـ»إسرائيل» على أميركا من خلال الشعور بالمأزق عندما سلكت واشنطن في نهاية عهد أوباما طريق الانخراط بتسويات إقليمية لا تلبي شروط «إسرائيل»، كالتفاهم النووي مع إيران، ومشروع التسوية مع روسيا في سورية المعروف بتفاهم كيري لافروف. كما ظهر الترابط أكثر بحجم الاندماج الإسرائيلي مع سياسات إدارة ترامب، أو اندماج سياسات إدارة ترامب مع مطالب نتنياهو، حيث شكل الرهان على استقطاب ولي العهد السعودي إلى ما عُرف بـ»صفقة القرن»، ومحورها توقيع خليجي وتوقيع فلسطيني على صك التنازل عن القدس بمباركة أميركية عبر عنها قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس كعاصمة لـ»إسرائيل»، والانسحاب الأميركي من التفاهم النووي مع إيران كعنوان لمواجهة يقوم بها حلف خليجي إسرائيلي مشترك بعد إعلان نهاية القضية الفلسطينية، ترعاه واشنطن، وتشكل حرب اليمن خطه الأمامي وسورية واحدة من ساحاته الساخنة.

الثابت الرئيسي المتحكم بالنظرة الإسرائيلية للانتخابات الأميركية، هو أن القضية ليست بانقسام الأميركيين بين مؤيد لـ»إسرائيل» وخصم لها، بل بانقسام اليهود الأميركيين بين نظرتين لمصلحة «إسرائيل» الفعلية، كانت تاريخياً تعبر عنه عملية التناوب بين حزبي العمل والليكود، بالتناسب مع التناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين في أميركا، فلا يزال 80 من يهود أميركا ديمقراطيين، وقد صوّتوا للحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية، حيث توجّهات الحزب تتركز على رفض السياسة العنصرية لإدارة ترامب، وعلى رفض العلاقة الترويجية لولي العهد السعودي خصوصاً على خلفية فضائح قتل جمال الخاشقجي، وعلى رفض حرب اليمن التي يمتلئ سجلها بالمجازر والارتكابات، وقد بشّرت الانتخابات الأميركية النصفية بموجة صاعدة في المجتمع الأميركي يجب التحسّب لتحولها إلى تسونامي انتخابي رئاسي يطيح الولاية الثانية للرئيس ترامب، مع نسبة مشاركة زادت 40 في المئة عن سابقاتها بصورة لافتة، وشكل الشباب بمشاركتهم نصف مصدر الزيادة، والنساء والمتحدرون من غير الأصول البيضاء نصفها الثاني، ما يعزز التوقع بنسبة زيادة مماثلة في الانتخابات الرئاسية تجعل فرص التغيير الرئاسي تحت إيقاع التوجهات ذاتها، احتمالاً جدياً.

– يستشعر الإسرائيليون خطر ترابط الثلاثي ترامب ونتنياهو وإبن سلمان، مصيرياً على مستقبل كيانهم، ويتهيبون مخاطر السقوط المشترك وفرضية تحوّلها لسقوط إسرائيلي، ما لم تنجح «إسرائيل» بالاستعداد لمرحلة ما بعد نتنياهو كما بدأت واشنطن تستعد لمرحلة ما بعد ترامب. فالشريك الفلسطيني الذي يمكن أن يوقع صفقة التنازل عن القدس غير موجود ولن يصير وجوده ممكناً، وتوسيع هوامش الحركة العسكرية السعودية في اليمن يعاني من الفشل، ومثله توسيع هوامش الحركة العسكرية الإسرائيلية في سورية، وكل من ترامب ونتنياهو وبن سلمان يواجه تحديات مصيرية، وبمثل ما تستعدّ واشنطن لتجنب آثار سقوط مدمرة عليها عبر الفصل بين ترامب وأميركا، تواجه «إسرائيل» والسعودية التحدي بإثبات القدرة على فصل مستقبلهما عن مصير كل من نتنياهو وإبن سلمان، وإلا كان المأزق وجودياً لكل من الكيانين، والقدرة على الفصل تبقى هي المعيار، وهي قدرة منوطة بالخيارات لا بالأشخاص، فهل تملك «إسرائيل» مَن يخوض بها غمار التموضع على ضفاف تسويات تتأقلم مع الممكن في المنطقة، وهل تملك السعودية مَنْ يخوض بها غمار الحكم الدستوري، وفي الزمن المتبقي من حكم ترامب، قبل أن يُخاض بهما المسار قيصرياً بإرادة وإدارة أميركية جديدة؟