Get Adobe Flash player

لن يغيّر الفوز شبه المستحيل للديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في صلاحيات الرئيس دونالد ترامب ودوره المحوري في رسم السياسات واتخاذ القرارات، خصوصاً أن الاختلافات لا تبدو جوهرية في السياسة الخارجية، نظراً لحدود ما يستطيعه الكونغرس بمجلسيه أن يفعله في السياسات الخارجية. كما لن يغير الفوز شبه المستحيل للجمهوريين مجدداً بالأغلبية في المجلسين لجهة زيادة منسوب التصعيد في السياسات الخارجية الأميركية المأزومة بفعل عناصر لا ترتبط بحجم التفويض الأميركي الداخلي، حيث المواجهة مع روسيا مسقوفة بالعجز، والمواجهة مع إيران محكومة بمحدودية الخيارات، والتصعيد في سورية بات من الماضي، وصفقة القرن معطّلة من داخلها بغياب الشريك الفلسطيني، وقضية العلاقة العميقة مع السعودية وولي عهدها تلاحق الرئيس الأميركي بعد مقتل جمال الخاشقجي وظروف قتله، وفي ظل مأزق حرب اليمن التي تحوّلت جريمة منظمة .

التوازن المرتقب في النتائج لصالح تحسن وضع الديمقراطيين، وما يرافقه من كثافة لافتة في المشاركة من الناخبين، يتمّان على إيقاع معادلة لا تتصل بالوعود الانتخابية، التي تفتقد إليها حملات كل من الحزبين المتنافسين. فالمعركة تدور حول مستقبل الرئاسة الأميركية بعد عامين، حيث يستعد الجمهوريون لخوض معركة ولاية ثانية لترامب، فيقولون لناخبيهم لمنح رجل الأعمال فرصة جديدة لتحقيق وعوده، بدلاً من العودة لرتابة الموظفين الذين تولوا الرئاسة مراراً، وحيث الديمقراطيون يقولون للأميركيين أن المطلوب الاستعداد لمنع تجديد ولاية ترامب، لأن الكارثة الحالية ستصير أعظم وأخطر إذا فاز ترامب بولاية ثانية.

كثافة المشاركة تعود إلى الانقسام الحقيقي في المجتمع الأميركي خارج الخطاب السياسي للحزبين حول ما يرمز إليه ترامب، الذي ينظر إليه الأميركيون البيض بأغلبهم والمتطرفون الدينيون ومؤيدو «إسرائيل» المتعصبون، وبقايا المحافظين الجدد، كبطل يجسّد الحلم الأميركي، بينما ينظر إليه الملوّنون من أصول لاتينية وصينية وشرق أوسطية بأغلبهم كخطر تطهير عرقي ومشروع حرب أهلية. وبالمقابل تنقسم حوله ساحة النخب الثقافية بين وسائل الإعلام الملتزمة بمشروع دولة مدنية أميركية، ومراكز تأثير في الرأي العام لحساب لوبيات التطرف السياسي والعسكري والديني والعرقي، وليست القضايا المثارة في المعركة إلا أسلحة في المواجهة، بما فيها العلاقة بالعائلة الحاكمة في السعودية، بين مفهومي المال أهم من القيم، أم القيم أهم من المال، ولا يخجل ترامب ومؤيدون من القول، نعم المال هو الأهم.

التحسّن في وضع الديمقراطيين الذي بات شبه مؤكد بمعزل عن حجم تأثيره على التوازنات المقبلة في المجلسين، وحجم المشاركة الانتخابية الواسعة يقولان إن ترامب يخسر بالنقاط، وإن سبب الخسارة هو العجز عن تحويل الخطاب التطهيري والعدائي الداخلي والخارجي إلى نتائج أرباح في رصيد المتطرفين، وتبدو العقد الموضوعية المتصلة بالقدرة لا بالرغبة حائلاً دون ذلك، ما يعني أن على الرئيس ترامب كي يفوز بولاية ثانية أن يخوض معركة يراهن على الفوز فيها. وهذا سيعني تعريض الاستقرار الدولي والإقليمي لمخاطر يجب التنبّه لوقوعها، أو أن ينعطف بحدّة نحو التسويات، فيسرق برنامج الديمقراطيين ويحقق نتائج باهرة في مجال الاستقرار والتشبيك في الداخل والخارج، وهذا دونه عدم مرونة القاعدة الخلفية التي يستند إليها ترامب في المجتمع الأميركي ومؤسسات الدولة الحاكمة.

– الانقسام العرقي والسياسي والثقافي سيكون هو السمة التي تطبع الداخل الأميركي في السنتين المقبلتين قبل الانتخابات الرئاسية، ولن يكون سهلاً خوض معركة رئاسية على أي من المرشحين، ترامب ومَن سينافسه من الديمقراطيين، تخرج منها أميركا أكثر تماسكاً وقوة.