Get Adobe Flash player

تستحقّ المواقف التي تثيرها العناوين المتخذة بعداً سياسياً بغطاء قانوني بعض الاهتمام لنشرها تلوثاً فكرياً وأخلاقياً لا يمكن تركه يملأ الأجواء فيضيق التنفس الطبيعي لكل نص قانوني وكل دعوة للاحتكام للقانون. وبين هذه العناوين ما يتصدر الوضع الدولي اليوم بقوة، ومنها خصوصاً قضية محاولة رسم إطار للتحقيق في قضية مقتل جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول، وقضية العقوبات الأميركية على إيران التي تدخل حزمتها الأشد التنفيذ اليوم .

في قضية الخاشقجي ظهرت سلسلة من المواقف المتناثرة عبر المحيطات والبحار تشارك فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وحكام عرب وقادة وسياسيون لبنانيون. واستعملت فيها مفردات واحدة، تقول إن الجريمة وحشية وتجب ملاحقة مرتكبيها، لكن يجب الانتباه إلى عدم المساس بالحكم السعودي لأنه ركيزة في المواجهة مع إيران وضمانة لما يسمّونه الاستقرار والتوازن في المنطقة، ولدى وضع هذا الكلام على محرك البحث في غوغل سيكون لافتاً أنه كلام قاله ترامب وقاله نتنياهو وقاله وزير خارجية البحرين وقاله مسؤولون عرب آخرون، لكنه كلام قاله ايضاً سياسيون لبنانيون كثر، فماذا يعني؟

السؤال الطبيعي الذي يطرحه الكلام المذكور هو هل يمكن الجمع بين شطري المعادلة، تحقيق وحقيقة وعدالة بلا انتقاص في قضية الخاشقجي، وحرص على عدم إلحاق الأذى بالنظام السعودي كضمانة للمواجهة مع إيران والتوازن بوجهها، والمتّهم الرئيسي في قضية قتل الخاشقجي هو ولي العهد السعودي، أي ركيزة النظام السعودي الجديد الصاعد بدعم أميركي إسرائيلي. وكل تمسك بالحقيقة والعدالة سيجعل محاكمته أقرب وسقوطه متوقعاً. ما يعني أن ضمان عدم التأثير على وضع النظام السعودي هي دعوة للبحث عن تزوير للتحقيق وتلاعب بالعدالة، ووقف مفاعليهما عند حدود مرسومة، وتصنيع شهود زور لهذا الغرض، وإيجاد متهمين يقبعون وراء القضبان ظلماً وعدواناً. وهو ما سبق للعدالة الدولية أن تمرّنت عليه في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولا تزال ماضية بالتتمة، ولقيت الترحيب يومها من الذين يدعونها اليوم أنفسهم لتكرار التجربة بالمقلوب حرصاً على النظام السعودي، لكنهم يطلبون حقيقة وعدالة غب الطلب بالأدوات ذاتها. تحقيق ملفق وبدائل للمتهم الحقيقي وشهود زور، فيما يتوهّم البعض أن القضاء الدولي ضمان الحقيقة والعدالة في قضية الخاشقجي فيعتبره هدفاً مطلوباً.

في قضية العقوبات على إيران، ما يدعو للاستغراب كيف أن الكثيرين ينظرون للقضية وكأنها مجرد قضية ثنائية بين واشنطن وطهران، أو قضية مصالح نفطية تفضي ببعض زبائن إيران إلى التمرّد على العقوبات الأميركية من باب المصلحة، والقضية الفعلية في مكان آخر. فالقضية أن هناك للمرة الأولى دولة عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي تفرض عقوبات على من ينفذ قرارات مجلس الأمن ذاته، بدلاً من أن تكون وجهة العقوبات هي الدول التي لا تتقيّد بتنفيذ القرارات الدولية. فالتفاهم النووي الذي أقرّه مجلس الأمن بالإجماع، هو الموضوع الذي تثيره العقوبات وتتمحور حوله، ومضمون العقوبات الأميركية هو رسالة للعالم مفادها، أن مَن يُطبّق القرار الأممي سيدفع الثمن ويعاقب، والانتفاض لحساب القانون هو الحد الأدنى الذي يجب أن يستنهض دول العالم لرفض الانصياع للعنجهية الأميركية، التي لم تتوقف عند حدود التمرد على التفاهم الذي وقعته وشاركت بإقراره الأممي، بل تقوم بالتنمّر على الأمم المتحدة وقراراتها وتوجه لها الإهانة الصريحة بالقول إن من يطبِّق القرارات الأممية سينال العقاب.

– الحديث القانوني لا يشبه القانون الذي يقوم جوهره منذ شريعة حمورابي، على معادلة وحدة المعيار في محاكمة الفعل، وليس فيه «ناس بسمن وناس بزيت»، والبشرية تعود إلى ما قبل عهود بابل وأثينا وروما وبيروت، لكنها تكثر الثرثرة عن القانون.