كما ظنّ وروّج الكثيرون لمقولة إن روسيا لا تتخلى عن «إسرائيل»، في ذروة الكلام الروسي عن نشر صواريخ الأس 300 في سورية وتسليمها للجيش العربي السوري، معتقدين أنهم أساتذة يعلمون ما لا يعلمه سواهم، يروّجون لنظرية أن واشنطن لن تتخلّى عن سعودية إبن سلمان، وأن طلب «إسرائيل» بهذا الخصوص في واشنطن لا يُردّ، وهم يظنون أنهم أيضاً اساتذة يعلمون ما لا يعلم سواهم. وكما سقطت نظريتهم السطحية في فهم الموازين الاستراتيجية التي تحكم الدول التي تديرها عقول المؤسسات وحسابات المصالح في الحالة الروسية، ستسقط مزاعم ما يدعونه من عمق الفهم والتحليل وتظهر الحقائق الجديدة التي ترسم الحسابات والمصالح الأميركية .

يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أكثر مَن يستشعر خطورة الوضع، ويدرك وقوفه على ضفة الخسارة التي يقف عليها إبن سلمان بأن واشنطن دخلت مرحلة إعادة رسم الخرائط، وأن مكانة الحلفاء يُعاد تحديدها، وأن خطة صفقة القرن التي سقطت بصمود الشعب الفلسطيني ورفضه السماح لأي من قادته بالجلوس في مقاعد البازار المفتوح على مستقبل القدس، ستأخذ معها الوكيل الذي وقف وراء التورط الأميركي في الانسحاب من التفاهم النووي مع إيران وفي الخروج الأميركي من قيادة التفاوض حول القضية الفلسطينية وفق حل الدولتين، ولو كان تفاوضاً للتفاوض يستمر عقوداً بلا نتائج، فوجدت واشنطن نفسها بين خياري قبول الخسارة ودخول المعارك الفاشلة مع روسيا وإيران، أو دخول حرب كبرى لا قدرة لها على تحمّل تبعاتها، ولا مصلحة لها بفتح ملفاتها، وإلا فعليها أن تفعل ما تفعله الآن، وهو إعادة ترتيب خريطة الحلفاء ومن خلالهم خريطة المنطقة، وعلى أحد هؤلاء على الأقل أن يدفع فاتورة الأثمان التي تترتب على إقفال ملفات الحروب التي انتهت بهزائم، من اليمن إلى سورية وأوكرانيا وغيرها من إنصاف حروب في العراق ولبنان، وخصوصاً المواجهة مع إيران، وهي عشية جولة جديدة انتهت قبل أن تبدأ مع إعلان أميركي بإعفاء نصف زبائن النفط الإيراني من العقوبات.

يتدخّل نتنياهو علناً ويسانده وزير خارجية البحرين، في إطلاق الدعوة لعدم سلخ الجلد السعودي كما تمّ سلخ جلد وجه جمال الخاشقجي، وهما ومَن معهما يدركون أن قضية جمال الخاشقجي ليست إلا الذريعة والعنوان، لكن كل شركاء الحقبة السعودية يتحسّسون رقابهم كي لا ينالهم بعضٌ من الفاتورة السعودية، وهم يعرفون أن وقف حرب اليمن بقرار أميركي ليس عقاباً للسعودية على قضية الخاشقجي، بل تموضع جديد عنوانه الاعتراف بالفشل في إقامة تحالف إقليمي وزان بوجه إيران في المنطقة، ركيزته صفقة القرن المقبورة، كما يعرفون أن صراخهم تحت عنوان طلب الرحمة بالسعودية، بعنوان أن الحفاظ على استقرارها وعبرها على استقرار المنطقة، دعوة لعدم رسم خرائط جديدة باشرت واشنطن بفتح ملفاتها، وخشية من أن ينالهم من شظايا التغيير في وضع السعودية فقدان الكثير من أوراق القوة، فيصير الصراخ تحت عنوان التضامن مع السعودية وطلب عدم تدفيعها ما لا تتحمّل دفعه، طلباً لتحييدهم عن الثمن الناجم عن الوضع الجديد للسعودية، وهو أمر يصعب التحكم به بالتأكيد.

– بين المتحدّثين من حلفاء السعودية وحده كلام نتنياهو له قيمة في واشنطن، أما الخليجيون المتحدثون من جماعة الفلك السعودي فيعرفون أن ساعتهم آتية، خصوصاً في البحرين واليمن والإمارات، ولو بنسب مختلفة. وأن قطر وعمان والكويت سينالون بعضاً من أثمان وعائدات التغيير، ونتنياهو يدرك خطورة اللحظة بعد سقوط مشروع صفقة القرن لجهة ما رآه من تأقلم أميركي مع الموقف الروسي الرادع لـ»إسرائيل» في سورية، كما يدرك أن التراجع الأميركي خطوة إلى الوراء عن صفقة القرن سيعني نيل «إسرائيل» جوائز ترضية بالتطبيع الذي يعنيها كثيراً، لكنه لا يجلب لها أمنها المفقود، لذلك يدخل على الخط الساخن مع واشنطن لمحاولة تعديل الخريطة بضمان بقاء المشروع على قيد الحياة ومنحه بعض الأوكسجين إن أمكن، بتسويات موضعية منفصلة لكل من الملفات، لكن يبدو أن ما كُتب قد كُتب، وقمة باريس بين الرئيسين الأميركي والروسي تفتتح مسار قمم تليها في واشنطن وموسكو، حيث سترسم الخرائط والمشاريع وتصنع التسويات، وتحدّد الأثمان والفواتير، ولو كان الدفع بشيكات مؤجلة منعاً للانهيارات التي تخرج عن السيطرة.