Get Adobe Flash player

تزدحم الساحتان الإقليمية والدولية بتطوّرات تبدو متعاكسة في كثير من الأحيان، وتبدو واشنطن مرجعاً لهذه التطورات، لكنها لا تبدو بالتحولات الكبرى التي ترسم الاستراتيجيات ولا تملك سياقاً يسمح لها بالتحول إلى مصدر تغيير جذري في التوازنات. فها هي واشنطن تستحضر تنظيم داعش لتوسيع نطاق سيطرته في منطقة سيطرة قوات سورية الديمقراطية شرق نهر الفرات، حيث الانتشار العسكري الأميركي، وتتخلى واشنطن عن حلفائها في «قسد» وترفض تلبية طلباتهم للدعم الجوي، وتترك وحداتهم فريسة سهلة لداعش ومعهم عشرات القرى والبلدات وعشرات الكيلومترات المربعة، بينما تؤكد موسكو رصدها قيام جماعات جبهة النصرة والخوذ البيضاء بنقل مواد كيميائية سامة في شمال غرب إدلب وتُبدي الخشية من ترتيب مبرمج لاستعمالها بالتنسيق مع واشنطن، لكن لا في إدلب ولا في شرق الفرات تملك واشنطن القدرة على رسم رؤية تمنحها فرص تغيير وجهة التحوّلات التي تشهدها سورية .

بالمقابل تندفع موجة تطبيعية مع كيان الاحتلال في منطقة الخليج التي تشكل واحدة من مناطق النفوذ الأميركية المحورية في المنطقة والعالم، فتمنح كيان الاحتلال مكاسب واضحة بإيصال رسالة لرأيها العام القلق بأنه كيان ثابت ومقبول في المنطقة، من دون أن يكون في روزنامة هذه الموجة ما يتيح تحويلها لمصدر تغيير في وجهة أحداث المنطقة. ففي فلسطين لا شريك في تسوية بالشروط الإسرائيلية التي تتبنّاها واشنطن، والسعودية في أسوأ أيامها أعجز من أن تفعل ما عجزت عنه وهي في ذروة صعود ولي عهدها، وبالتزامن تجد القيادة الفلسطينية نفسها مجبرة على تعليق كل التفاهمات مع كيان الاحتلال أمنياً واقتصادياً وسياسياً.

على جبهة العلاقة مع إيران تستعدّ واشنطن لبدء حزمة عقوباتها الجديدة، وتحشد لها كل طاقتها المصرفية وعلاقاتها بالأسواق المالية، بينما تعجز عن ضم أوروبا وروسيا والصين وتركيا وباكستان إلى هذه العقوبات. وفيما كان الرهان على العقوبات بالتزامن مع الإعلان عن حلف عربي إسرائيلي تقوده السعودية و«إسرائيل» بوجه إيران، وبالتزامن مع انتزاع «إسرائيل» حرية عملها العسكري في سورية بقوة تأثير نفوذ اللوبي الداعم لها في موسكو، تُصاب واشنطن في المحورين الرئيسيين، بتعطل مسار صفقة القرن وفرملة الحركة الإسرائيلية في سورية كأداة لتقليم أظافر إيران.

تستعدّ واشنطن في ظروف غاية في الغموض والحرج للانتخابات النصفية للكونغرس، وهي غالباً ما تكون مؤشراً على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعلى واشنطن التي باتت تدرك محدودية أوراقها التي تتيح المناورة، أو العودة للهجوم، أن تستعدّ لمسار جديد مع موسكو أوضحت زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون لموسكو أنه بات قيد البحث الجدي، من خلال الإصرار على القمة التي ستضمّ الرئيسين الروسي والأميركي في الحادي عشر من الشهر المقبل، بعدما تكون الانتخابات النصفية قد انتهت، وتكون موجة العقوبات الجديدة على إيران قد انطلقت، وبات رسم الخطوط البيانية ممكناً، لكن هذه القمة كما طلبتها واشنطن مقدمة لقمم لاحقة ستعقد في واشنطن وموسكو، كترجمة لمسار جديد.

– تبدو واشنطن بحاجة لملء الوقت وتحضير الأوراق بانتظار القمة، أكثر مما تبدو في دائرة خيارات هجومية جديدة، وتبدو الصيغة النهائية لكيفية التعامل مع الوضع السعودي من ضمن ما سيتبلور لاحقاً بعد القمة.