Get Adobe Flash player

لا يستطيع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري التنصّل من مواقفه السابقة بداية الحرب على سورية ومنتصفها، ولا من مواقف حلف لبناني عربي دولي كان في قلبه عنوانه تحويل لبنان وحدوده مع سورية خصوصاً إلى قاعدة للعمل السياسي والعسكري المعادي للدولة السورية، وأنه من هذا الموقع جرى تشجيع السوريين على النزوح وقدّمت لهم الوعود بالأموال والإيواء والمساعدات وتمّ تسهيل تمركز الجماعات المسلحة بين النازحين وتنظيم صفوفها واستقطاب ما أمكن من ضحايا النزوح، وفي هذا السياق وقعت مأساة عرسال المزدوجة، فتحوّلت إلى قلعة ثورية وفقاً لتوصيفات تيار المستقبل الذي يترأسه الحريري وكان الوزير السابق أشرف ريفي المتحدّث بلسانه يومها، وكانت مأساة خطف العسكريين واستشهاد معظمهم ثمرة لرعاية تحوّل عرسال قاعدة تحظى بالحماية لصالح الجماعات المسلحة، خصوصاً النصرة وداعش، وكانت المأساة الثانية حياة البؤس والذلّ والجوع التي تعرّض لها النازحون .

مع تعثّر الحرب وفشل أهدافها بالتدريج وتراكم أعداد النازحين وضغط أعباء وجودهم على قدرة لبنان على التحمّل وتحوّل حياتهم إلى مأساة إنسانية، ومع ضغط حضورهم في الدول الأوروبية والقلق من مغادرتهم لبنان إليها تغيّر وجه التعامل مع قضية النازحين، فتمّ جعلهم رهائن يجري استغلال قضيتهم لربط عودتهم بفرض شروط خارجية على الدولة السوريّة والتمهيد لتحويلهم خزاناً انتخابياً يمكن توظيفه في استحقاقات الحلّ السياسي في سورية، وفي المقابل تحوّل النازحون إلى رهائن لضمان الأمن الأوروبي كجدار أمان يحول دون نزوح هؤلاء بصورة تُربك الحسابات الديمغرافية والأمنية في أوروبا، وكان الحريري وفريقه عرّابي هذا الاسترهان لقضية النازحين، وكانت المؤتمرات الأوروبية والأممية المخصّصة لقضية النازحين مجرد واجهة لتحقيق هذه المهمة، ومنها المؤتمرات الأخيرة في بروكسل وباريس.

التوطين لم يكن فزاعة عنصرية اخترعها البعض، ولا تهويلاً لتضخيم المشكلة، فالتقارير الأممية والحوارات المباشرة مع كبار الضيوف الدوليين الذين استقبلهم لبنان خلال سنوات الحرب في سورية مليئة بالتعابير الواضحة، عن عروض مباشرة مالية سخية مقابل توطين النازحين. والمقصود بالتوطين مباشر، منحهم الجنسية اللبنانية مقابل دعم دولي مالي لأكلاف التوطين، من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس وفرص عمل وأضرار تلحق بالاقتصاد اللبناني. ومؤخراً صار الحديث أشدّ وضوحاً عن التوطين كحلّ وحيد ممكن لضمان عدم نزوح ثانٍ للنازحين نحو أوروبا، في مواجهة ما يسمّيه الأوربيون خطر عودتهم إلى سورية قبل حلّ سياسي يرضاه الغرب، في ظلّ الوقائع التي حملتها تطوّرات الحرب، والوقائع المعاكسة التي تحملها شروط حياة النازحين. فالمدن والبلدات التي هاجر منها هؤلاء تستعيد الأمن، وتعود صالحة لاستعادة سكانها وأهاليها، والدولة السورية تُصدر التشريعات والقوانين وتعلن الاستعداد لوضع الترتيبات والإجراءات التي تزيل مخاوف النازحين من العودة، مقابل مزيد من المعاناة التي لا نهاية لها في حياة النزوح، لتبدأ خطوة الألف ميل في مسيرة العودة.

– في الأزمة الأخيرة التي فجّرها سعي المفوضية الأممية للاجئين لعرقلة عودة آلاف النازحين السوريين إلى بلدات القلمون الشرقي، وتخويفهم من مخاطر عودتهم، مقابل تنسيق لبناني سوري رسمي لتأمين شروط آمنة وكريمة لهذه العودة، ارتبك موقف الرئيس الحريري، بين التزاماته للأوروبيين ومؤتمراتهم، والتزاماته للسعوديين وشروطهم بعدم التعاون مع الحكومة السورية من جهة، وبين خطر انفجار علاقته برئيس الجمهورية ووزير الخارجية عشية تشكيل الحكومة الجديدة من جهة أخرى، فوجد في لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين خشبة خلاص، وتصير القضية ببساطة، أنّ على الدولة السورية أن تشرح أكثر القانون رقم 10 لإزالة الالتباسات التي أدّت إلى إساءة فهمه. فهل أقنع الحريري أحداً بأنّ موقفه من قضية النازحين تختصره نصيحة للدولة السورية بشرح أكثر للقانون رقم 10؟