Get Adobe Flash player

السؤال الذي يحمله العنوان لا يفيد في الجواب عليه الانطلاق من الرغبات، وتطويع الوقائع لقراءتها بعين تخدم استنتاجاً مسبقاً، يريده المتابع إن كان خصماً للسياسات الأميركية ومواجهاً لها تأكيداً لضعف أميركا، ويريده مؤيدو أميركا وحلفاؤها تعبيراً عن قوّتها. فهذا النوع من القراءة هدّام بل مدمّر، لأنه يبني أوهاماً سرعان ما تُبنى عليها سياسات مغامرة، فيقع خصوم أميركا في مواجهات مبنية على قراءة الضعف ويصطدمون بجدران القوّة، أو يخاطر حلفاؤها بالبناء على قوّتها خيارات سرعان ما يظهر أنها انتحارية، عندما يرونها تنكفئ وتتراجع وتتركهم لمصيرهم وحدهم .

في السياسات الأميركية ما يحمل الشيء ونقيضه في الإجابة عن السؤال حول القوة والضعف. فأميركا التي تصعّد على إيران وروسيا والصين وأوروبا بخطوات مالية قاسية بين العقوبات والإجراءات الضريبية، تبدو كلاعب منفرد على الساحة الدولية لا يأبه بالآخرين، وينظر إليهم كمجرد عناصر في اللوحة التي يتحكّم بألوانها وتشكيلاتها. وأميركا التي تتهرّب من المواجهة في أزمة وحرب رصدت للفوز بهما في سورية كلّ رصيدها وتحالفاتها، هي الدولة العظمى التي تشيخ وتدرك أكلاف المواجهات مع قوى فتية صاعدة مستعدّة للتضحية لإثبات مساحتها الخاصة على المسرح الدولي. وأميركا التي تنسحب من التفاهم النووي مع إيران، هي أميركا القوية، لكن أميركا التي لا تملك بديلاً للتفاهم ولا تستطيع جلب أوروبا للشراكة في تدمير هذا التفاهم، هي أميركا الضعيفة. وأميركا التي تذهب للتفاوض مع كوريا الشمالية هي أميركا الضعيفة، بينما أميركا التي تهدّد بحال فشل التفاوض ليست أميركا القوية، لأنها أظهرت بقوة خشيتها من تدمير قنوات التفاوض. وهكذا هي أميركا التي تعترف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال تبدو بمظهر القوي، لكنها في الواقع تنهي فرص التفاوض والتسويات في الملف الفلسطيني الذي يشكل قلب أزمات المنطقة وحروبها، ويشكل انفجاره مخاطرة غير محسوبة العواقب، في ظلّ انسداد خيارات الحرب أمام أميركا و«إسرائيل».

حال «إسرائيل» يفضح سرّ أميركا بصورة أكثر وضوحاً، فالانسحاب الأميركي من التفاهم النووي الإيراني، كما الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، يُفترض أن يكونا فرصة لتشنّ «إسرائيل» حروب الحسم التي كانت تتوعّد بخوضها وتزعم أنّ واشنطن هي مَن يلجمها عن خوضها. وها هي «إسرائيل» تتعامل مع الملف النووي الإيراني بنشاط دبلوماسي لرئيس حكومتها عنوانه التحريض لفرض العقوبات على إيران، بدلاً من التمهيد للحرب عليها. وهي ذاتها تتقبّل عودة انتشار الجيش السوري على حدود الجولان بعد رهان على تدمير هذا الجيش لسبع سنوات، تفادياً لمجرد مشهد يتمركز فيه الإيرانيون وحزب الله على خط الحدود، رغم علمها بأنّ حدود هذا التمركز الفعلية هي حيث يتمركز الجيش السوري عملياً بحكم طبيعة التحالف الذي يجمع مثلث سورية وإيران والمقاومة. وعلى الضفاف الفلسطينية تواصل حكومة الاحتلال مواجهتها العبثية التي تذهب بالوضع في الأراضي المحتلة نحو المجهول، ولا تملك استراتيجية خروج، وفقاً للدرس الذي يفترض أنها تعلّمته من حرب تموز 2006، وقد فشلت في ابتكار شريك فلسطيني في صفقة القرن، رغم كسبها دعماً عربياً استثنائياً لتصفية القضية الفلسطينية.

تُظهر الحالة الإسرائيلية الضعف الأميركي عن خوض الحروب، بقدر ما تظهر العجز الإسرائيلي الأشدّ حضوراً، لكنها لا تختصر المشهد الأميركي الذي يلجأ على الطريقة الإسرائيلية إلى الجدران والاحتماء بها، لكن الجدران الأميركية فعّالة رغم أنها جدران افتراضية، مبنية من ورق، لكنه ورق الدولارات، وورق الرسوم والعقوبات والقرارات المالية، بينما الجدران الإسرائيلية وهمية وهشّة رغم كونها جدران إسمنتية تظهر فضيحتها الحال على الحدود مع لبنان، حيث يتوقف بناء الجدار الهادف للحدّ من مخاطر المقاومة، بانتظار إذن سماح لبناني يتوقف على ترسيم الحدود والمصالح النفطية للبنان، يعرف الإسرائيليون أنّ للمقاومة كلمة فاصلة فيه.

– يصير المشهد أشدّ وضوحاً عندما يظهر أنّ أميركا قوية حيث تحتمي وراء جدارها المالي، وضعيفة عندما تخرج للنزال والمواجهة في الساحات التقليدية، ويظهر أشدّ وضوحاً أنّ معركة العقوبات ضدّ إيران وكوريا، تشكل الاختبار الأهمّ لقدرة جدران الحماية الأميركية على الصمود عندما تواجه خصماً قادراً على التأقلم مع العقوبات والحصار، وتغيب عنها البدائل إذا انكسر الجدار فتتعمّد إبقاء ثقوب فيه منعاً لانهياره بقوة اندفاع المياه من وراء السدّ. وهو ما يفسّر الدورين الأوروبي في ملف إيران النووي، والصيني في ملف كوريا الشمالية.