Get Adobe Flash player

ربما يرغب بعض اللبنانيين بتفسير كلّ حركة على المستوى الدولي والإقليمي تتصل بلبنان بأسباب لبنانية، غالباً ما تذهب للقول إنه قرار دولي إقليمي بحماية الاستقرار في لبنان، أو العكس. فإنْ كان الأمر إيجابياً فهو قرار بحماية الاستقرار بتأثير المحور العربي الذي يقف مع السياسات الأميركية ولا يُحرجه التماهي مع السياسات الإسرائيلية، وإنْ كان سلبياً فهو من تداعيات «الورطة» التي وضع حزب الله لبنان في قلبها بسبب انخراطه في حروب في المنطقة وعلى رأسها الحرب في سورية. ولا يستطيع هؤلاء رؤية أيّ إيجابية ترتبت للبنان على الحروب التي خاضها حزب الله أو شارك في خوضها، وأنتجت هزيمة داعش، واستفاد لبنان حكماً من هزيمتها، وأربكت المشروع الأميركي والعدوانية الإسرائيلية وانعكس على لبنان ذلك انخفاضاً في مستوى التعرّض للمخاطر

.

يستصعب البعض في هذا السياق الاعتراف بأنّ الاستعداد الإسرائيلي للتفاوض على الحدود البحرية بحثاً عن حلّ وسط، كان ممكناً لولا سلاح المقاومة وجهوزيتها المعلنة لتدمير منصات النفط والغاز الإسرائيلية، ويرغبون بربط إقامة نائب وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد في لبنان، مجرد إيجابية أميركية لمنع تدهور الاستقرار، دون أن يمنحوا المقاومة وسلاحها دوراً في فرض القلق على هذا الاستقرار من الجانبين الأميركي والإسرائيلي. كما يتهرّب هؤلاء من ربط كلّ الاهتمام الأميركي بلبنان أو بعض هذا الاهتمام على الأقلّ بأنه ناتج عن وجود هذه المقاومة ومدى القلق الذي تسبّبه لكيان الاحتلال، ويتذكّرون هذا الربط فوراً عندما يجري الحديث عن العقوبات المصرفية، ليعبّروا عن غضبهم مما يجلبه سلاح المقاومة ووجودها على لبنان واللبنانيين.

كشف رئيس مجلس النواب نبيه بري عن وجود عرض أميركي للتفاوض غير المباشر لترسيم الحدود البرية والبحرية معاً للبنان، بما في ذلك مزارع شبعا، ويأتي هذا العرض متزامناً مع سعي أميركي لربط التسوية في الجنوب السوري بإعادة نشر وحدات الأندوف التابعة للأمم المتحدة على خطّ فصل الاشتباك بين سورية وجيش الاحتلال في الجولان، بعدما كانت «إسرائيل» قد رمت ثقلها لتخريب الاستقرار على الجبهة السورية، وحاولت بناء حزام أمني تتولاه جبهة النصرة. وربطت بين غاراتها في سورية وسلاح المقاومة في لبنان، ولم تخفِ رهانها على توافر فرص حرب شاملة على المقاومة، انطلاقاً من رهانها على حرب الاستنزاف التي يفترض أن تمثلها الحرب في سورية للمقاومة وسلاحها. والأكيد أنه لو قيّض للرهان الإسرائيلي أن يبصر النور، وأن تقع المقاومة تحت ضغوط أشدّ بسبب الحرب في سورية، لكانت المماطلة الأميركية الإسرائيلية في ترسيم الحدود البحرية ورهن الحدود في مزارع شبعا، كما في السابق، بحلول شاملة.

– السعي لتثبيت جبهات الحدود لكيان الاحتلال وإنهاء الملفات العالقة التي قد تتحوّل مبرّراً أو مدخلاً للتوتر وبالتالي للتصعيد، الذي باتت واشنطن وتل أبيب تريان فيه مصدراً للقلق من الانزلاق إلى مواجهة لا تريدان خوض غمارها، والمخاطرة بنتائجها المقلقة، وحدَه يفسّر العرض الأميركي بإنهاء ملف مزارع شبعا. وهو سعي ناتج حكماً عن التحوّلات الجارية على الحدود السورية، والتوازنات الجديدة التي فرضتها انتصارات الجيش العربي السوري، وانتصارات محور المقاومة، وتقدّم الدور الروسي بصورة غير قابلة للإنكار. وإنْ كان من أحد يدين له لبنان بهذا التحوّل في الموقفين الأميركي والإسرائيلي فهو المقاومة. وهذا يستدعي اعتبار العرض الجديد مدخلاً لفرض معادلات التفاوض من موقع القوة. وأوّل موجبات هذا التفاوض الخروج من أوهام البعض لاستثمار هذه العروض لإحياء أوهامهم وأحلامهم المرتبطة بوضع سلاح المقاومة على الطاولة، لمنح واشنطن وتل أبيب مكاسب لا تطمحان ولا تستطيعان الطموح لرؤيتها تتحقّق.