Get Adobe Flash player

تدعو مصادر على صلة وثيقة بمجريات الحرب في سورية إلى تذكّر كيفية مقايضة الحملة العسكرية التي نظمها الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما على سورية بالحل السياسي للسلاح الكيميائي لسورية، وتقول كان هذا الكمين الاستراتيجي الثاني الذي نُصب للأميركيين، وتعود فكرته للرئيس السوري بشار الأسد الذي استبق الحملة بإبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يضع بين يديه التوظيف التفاوضي لحل سياسي يُنهي السلاح الكيميائي لسورية، لاستخدامه في لحظة احتدام خطر تدخّل أميركي واسع النطاق عسكرياً. بعدما كان الكمين الأول بما عُرف ببيان جنيف واحد من صناعة وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف وينصّ على كلام غامض عن حل سياسي وهيئة حكم انتقالية لإلهاء الأميركيين عن فكرة التدخّل العسكري، بعدما تكفل الفيتو الروسي الصيني بحرمانهم من التغطية الأممية، لحين تصير روسيا جاهزة لمثل هذا التدخل .

مع التموضع الروسي في سورية، كان السؤال الاستراتيجي هو كيف يمكن الحؤول دون تحول تموضع عسكري روسي وأميركي متقابلين سبباً لتقسيم سورية وتكرار النموذج الكوري فيها، خصوصاً بوجود أطماع تركية وإسرائيلية باقتطاع بعض من الجغرافيا السورية تحت شعار الحزام الأمني، يُضاف إليهما وجود تطلع كردي لكيان منفصل. تقول المصادر إن السؤال كان على طاولة الاجتماع الذي سبق التموضع الروسي وضمّ الرئيس بوتين والجنرال قاسم سليماني، وكان الجواب الذي صاغه سليماني يرتكز على فكرة الكمين الاستراتيجي النوعي الذي سيتوقف عليه تغيير وجهة الحرب ورسم نتائجها.

تأسست الحركة الروسية الإيرانية على القناعة المشتركة بأن استعادة الدولة السورية لعافيتها وجغرافيتها الموحّدة تحت سيادة جيشها ورئيسها يشكل النصر الاستراتيجي المنشود، من جهة، وأن التسليم التركي والكردي بقبول هذه الحقيقة يتوقفان على التسليم الأميركي الذي يتوقف بدوره على التسليم الإسرائيلي، من جهة مقابلة. وأنه خلافاً لما قد يبدو من حجم الانتشار الأميركي وتوزّعه بين المناطق السورية بأولوية الشمال على الجنوب، فإن جنوب سورية حيث أمن «إسرائيل» هو ما سيقرّر، وأن الدفع بما يتكفّل بإثارة القلق على الأمن الإسرائيلي وحده سيتكفل بجعل روسيا مقصداً لطلب الضمانات التي ستكون تحت عنوان الدعوة للتسليم بالدولة السورية السيّدة والموحّدة في ظلّ رئيسها وجيشها، وأن إثارة القلق الإسرائيلي إلى حدّ الذعر مهمة إيران وحزب الله، وإثبات لا جدوى التعامل الإسرائيلي عسكرياً مع هذا الذعر، مهمة إيران وحزب الله والجيش السوري بعد تحسين دفاعاته الجوية برعاية روسية، حتى يصير المطلب الإسرائيلي التسريع بتسلّم الجيش السوري للحدود الجنوبية، حتى لو تمّت المقايضة بين عدم وجود انتشار لإيران وحزب الله في المنطقة بطلب تفكيك القاعدة الأميركية في التنف، التي تولّى الروس بلسان وزير خارجيتهم جعلها مصدر الشرّ الدائم في سورية. وهم يعلمون أنها أعرق وأخطر القواعد الأميركية لإمساكها بطريق دمشق بغداد التي تشكّل جوهر الحركة الاستراتيجية لإيران في المنطقة.

أميركا و»إسرائيل» بين خيارين اليوم، خوض حرب أو قبول تسوية. حرب ميؤوس من الفوز بها وسرعان ما ستنزلق نحو تهديد العمق الإسرائيلي والمواجهات على التخوم. والتجربة الأخيرة لليلة الصواريخ تحكي الكثير. أو ارتضاء تسوية تضمن التسليم بوحدة وسيادة الدولة السورية بجيشها ورئيسها، انطلاقاً من الجنوب، بنموذج سيتكرّر شمالاً، تحت عنوان مقايضة القواعد الأميركية بعدم انتشار قوى المقاومة في المناطق التي سيخليها الأميركيون والجماعات المسلحة التي تتلقى الدعم منهم. والخيار هنا يشبه خيار المسلحين المحدود تفاوضياً بانتقاء لون الباصات التي سيرحلون عليها، أو التسمية التي سينضوي من يبقى منهم عبرها تحت عباءة الجيش السوري، بلجان محلية أو دفاع شعبي.

– ستكون للسعوديين والإسرائيليين ومعهم بعض رموز المعارضة فرصة الاحتفال بالتسوية، كما احتفلوا بالحلّ السياسي للسلاح الكيميائي السوري، وهم يعلمون أن آخر فرصهم قد ضاعت في سورية.