Get Adobe Flash player

بالقياس لمَن يهدّد بالحرب ومَن يقع عليه التهديد، يفترض أن تكون واشنطن هي المرتاحة، وهي الدولة العظمى التي تملك الأساطيل وحاملات الطائرات والصواريخ والمقدّرات وهي مَن يستعدّ لتوجيه ضربة لسورية، التي لا تملك ما تملكه واشنطن ويُفترض أن تعيش حال القلق وربما الذعر أيضاً. لكن يسهل على المتابع عن كثب أن يلاحظ أنّ ما يحدث هو العكس تماماً، فكلّ ما يصل من واشنطن يعبّر عن حال القلق، وكلّ ما يأتي من دمشق ينقل حال الارتياح .

في واشنطن ضرب أخماس بأسداس ويجري تحرّي كل الفرضيات والاحتمالات، ومخاطر التورّط بمواجهات غير محسوبة وغير مرغوبة، وتطرح أسئلة من نوع هل يملك الرئيس تفويضاً دستورياً لشنّ عمل هجومي على دولة ليست في حال حرب مع أميركا، ولا تشكل تهديداً لأمنها، ولم تقم بقتل جنود أميركيين؟ وهي عناصر حصرية نصّ عليها الدستور الأميركي في مادته الثانية. وواجهت وزير الدفاع الأميركي في جلسة الاستماع المخصصة للملف في الكونغرس، وهل ثمّة ما يبرّر المخاطرة بمواجهة مع روسيا، ولحساب مَن وعلى حساب الأميركيين؟ وهل هناك تحقيق موثوق به تعتمده المؤسسات الأممية ولم يعُد يمكن لواشنطن الصمت بعدما استنفدت سبل الملاحقة وفق قواعد القانون الدولي، كي يتوجّه الرئيس الأميركي طلباً لتفويض من الكونغرس لا يبدو أنه قد وضعه على جدول أعماله؟

في دمشق، كلّ الفرضيات لا تغيّر في حقيقة أنّ القيادة والشعب والجيش في سورية يتصرّفون وكأنّ الحرب قرار قد اتخذ في واشنطن، فما يجب اتخاذه من قرارات لأسوأ الاحتمالات قد اتُخذ، والحياة تسير بعد ذلك بصورة طبيعية، والثقة بالحلفاء وتماسك جبهتهم ودرجة حزمهم أعلى من عالية، وتمّ توزّع المهام والأدوار بين الحلفاء، وبعد ذلك تجري المتابعة السياسية والدبلوماسية لكلّ الملفات من بعثة تقصّي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تصل إلى دمشق تمهيداً للانتقال إلى مدينة دوما التي دخلتها قوى حفظ النظام السورية والشرطة العسكرية الروسية، وقرّرتا الحفاظ على كلّ مخلفات المسلحين الذين غادروها لتضبطها بعثة التحقيق، كما متابعة التواصل مع الأصدقاء والحلفاء كافة لتنسيق المواقف، وفي مجلس الأمن خلية تعاون روسية سورية صينية بوليفية تطارد الثلاثي الأميركي الفرنسي البريطاني.

في واشنطن تناوب بين موجات السخونة والبرودة، مرة أخذ الرئيس قراره ومضى. ومرة الرئيس لا يزال يدرس الاحتمالات. ومرة استعدّوا لصواريخنا الجديدة والذكية. ومرة الضربة خيار وليست قراراً وباقي الخيارات واردة. وقد تحدث الضربة قريباً جداً وقد لا تحدث. والأمر ليس لحرب نفسية مخططة بل لقلق من التبعات، ولذلك حلّ البرود مكان التصعيد وبدأ التراجع يصير لغة بديلة، وصار الحديث عن الحاجة لأدلة قاطعة، وتراجع الحديث عن وجود ما يكفي من الأدلة، ومن موسكو تأتي زيادة القلق ببرود تعامل الرئيس الروسي مع حال هستيريا تسكن البيت الأبيض الذي تكفيه هموم المحقق توماس مولر.

– الرئيس السوري وكلّ المسؤولين السوريين يمارسون مهامهم وحياتهم الطبيعية في مقارم ولم يغادر أيّ منهم أو من عائلاتهم سورية، ودمشق تصل الليل بالنهار في دورة حياة طبيعية، وشوارعها مزدحمة، والابتسامة على وجوه الجميع فرحاً بتحرير الغوطة. وعندما تسألهم عن الرئيس الأميركي يهزأون ويقولون سنهزمهم وسيرون، ونثق برئيسنا وقيادتنا وجيشنا وحلفائنا، فهل يثق الأميركيون مثلنا برئيسهم وقياداتهم وجيشهم وحلفائهم؟