Get Adobe Flash player

لا تبدو القمة التي ستجمع الرؤساء فلاديمير بوتين وحسن روحاني ورجب أردوغان سهلة المراس مع قضايا تعبّر عن تموضع تركي مخالف للموقع الروسي الإيراني في سورية، التي تشكّل وفقاً لتصريحات المسؤولين الروس والأتراك والإيرانيين موضوع القمة الأوّل، ورغم أن هذا الخلاف ممتدّ منذ تشكّل لقاء أستانة، إلا أنه يبلغ المرحلة الأعقد هذه المرّة، لأنّ ما بين تشكّل مسار أستانة والقمة تراكمت حقائق قدرة الدولة السورية على تكرار نموذج حلب الذي جلب تركيا للإطار الثلاثي مع روسيا وإيران، وجاءت معارك الغوطة مؤخراً لتقول ما لم يكن في الحساب التركي وارداً بهذه السرعة وهذا الحجم، بحيث صار التصادم محتملاً وقريباً للتوقع بين الأداء التركي الذي يغلب عليه التوغّل العسكري المباشر في سورية، والدولة السورية الذاهبة لاستكمال استرداد جغرافيتها من أيدي الذين توزّعوها خلال سنوات الحرب، والأتراك يقفون في طليعتهم .

منذ معارك حلب حتى معارك عفرين، كانت التسوية بين مفهومي روسيا وإيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى، حول سورية ممكنة، فقد كان مهماً بالنسبة لروسيا وإيران انتقال المقاربة التركية للحرب في سورية من سقف إسقاط الدولة تحت شعار نصرة المعارضة، إلى سقف الأمن القومي التركي والقلق من قيام كيان كردي انفصالي يستثمر عليه الأميركيون من ضمن رؤيتهم لمفهوم الحلّ السياسي الذي تضمّنته وثيقة الخمسة التي قاموا برعايتها، ما يجعل تركيا كمتضرّر أوّل من هذا المشروع على خط الاشتباك المباشر مع المشروع الأميركي من جهة، وعنصر إنضاج للموقف الكردي نحو قبول معادلة التسوية السياسية تحت سقف دولة سورية موحّدة، من جهة مقابلة، وما يتيح لاحقاً مناقشة تركيا بمفهوم للحلّ السياسي يحقق لها أمنها القومي، وحرمان أنقرة من فرصة المجاهرة بطلب الوصاية على السوريين ومنحها أسوة بما يفعله حلفاء تركيا السابقون في الحرب على سورية بربط دعم الحلّ السياسي بمنحهم سلطة التدخل في تحديد طبيعة الحكم الذي يناسب سورية والسوريين.

مع تحرير الدولة السورية للغوطة والاحتلال التركي لعفرين، بلغ كلّ شيء سقفه إلى حدّ التصادم، وتبلورت النتائج التي ترسم معادلات الغد، وما عاد ممكناً تجاهلها، فمشروع الحرب الأصلي الذي شكلت تركيا قاعدته وركيزته الرئيسية لسنوات طوال حتى معارك حلب، وافترقت عن حلفائها وخصوصاً الأميركي والسعودي والإسرائيلي لتفضيلهم خيار التقسيم على خيار تسوية تعترف بالدولة السورية الموحّدة، طالما كان ثمن ذلك الاعتراف بأحادية الدور العسكري للجيش السوري، وبالمكانة الدستورية والسياسية للرئيس السوري، بينما وقفت تركيا في منتصف الطريق بين المشروعين الأميركي السعودي الإسرائيلي للتقسيم، والسوري الروسي الإيراني القائم على مفهوم دولة موحّدة برئيسها وجيشها، فتموضعت ضدّ مشروع التقسيم دون الانضمام لمشروع التسوية، وراهنت على فرض الوقائع لرسم مسارات تراكمية تحسّن وضعها دون امتلاك تصوّر شامل يحتوي قوى الحرب المتقابلة وأدوارها، ويقطع الصلة بالكيانات الإرهابية، ويقدّم رؤية واقعية لمناقشة سبل الحلّ السياسي لقيام دولة سورية موحّدة تتيح فرصة الخروج التركي من الجغرافيا السورية، وفقاً لما كانت نصائح الرئيس الروسي لنظيره التركي دائماً.

مع لحظة تحرير الغوطة واحتلال عفرين، دخلت السياقات الثلاثة، الأميركي السعودي الإسرائيلي، والسوري الروسي الإيراني، وبينهما التركي، في ذروة الخيارات الصعبة، حيث تكفّل تحرير الغوطة بإبلاغ واشنطن والرياض وتل أبيب بنهاية لعبة التقسيم، ورهانات إسقاط الجيش والرئيس والدولة في سورية، وبدأت رسائل الإقرار بنتائج هذا التحوّل بالظهور أميركياً في كلام الرئيس دونالد ترامب عن انسحاب قريب من سورية، وإقرار ولي العهد السعودي بزوال زمن الرهان على إسقاط الرئيس السوري والتسليم ببقائه، والتهيّؤ الإسرائيلي لإقفال خط التدخل في سورية الذي تجسّد باللعب بدور وحدات فصل القوات الأممية «الأندوف» عبر طلب إعادة نشرها، ما جعل احتلال عفرين يظهر كركيزة بديلة لمشروع تقسيم آخر تقوده تركيا، وصار الحليفان الروسي والإيراني للمرة الأولى وجهاً لوجه أمام تركيا، التي تبدو موجودة بين سطور كلام ترامب عن ترك آخرين يتولّون الأمور، وتأتي القمة لتكون مرة أخرى مفترقاً خطيراً، سيقرّر ما إذا كانت تركيا ستعود إلى المربع الصعب الذي دخلته مع قيادتها لمعارك حلب حتى هزيمتها وتموضعها اللاحق، أم ستقرأ من معارك الغوطة ومن مواقف الآخرين، أنّ اللعبة تشارف على النهاية والخاسر الأكبر سيكون الذي يتأخر في التقاط التوقيت المناسب للخروج المشرّف.

تسعى روسيا وإيران لمنح تركيا هذا التوقيت للخروج المشرّف، بربط دورها في سورية بتشجيع تسوية سياسية تضمن دوراً للجماعات العاملة تحت رايتها، والتسليم بأنّ انتشار الجيش السوري حتى الحدود يشكل ضماناً لأمنها القومي من مخاطر كيان كردي انفصالي، ودعوة القيادات الكردية لقراءة متأنية للمتغيّرات تضعهم شركاء كاملين في مفاوضات جنيف، وجعل الحديث عن الانسحاب الأميركي والتموضع الإسرائيلي خلف حدود الجولان المحتلّ، والتسليم السعودي بفشل مشروع التقسيم ومشروع إسقاط الرئيس السوري، مدخلاً لانطلاق عملية سياسية تحجز تركيا فيها مقعداً حاسماً كراع لدمج الجماعات المسلحة التي تجمّعت تحت وصايتها في هذه العملية، بدلاً من أن يكون كلّ ذلك فخاً نصبه حلفاء الأمس لتركيا ورئيسها، رهاناً على عنجهيته وسوء حساباته، لاحتلال المقعد الذي حجزه له الروس والإيرانيون، وإمساك مفاتيح التسوية بدلاً منه.

– على طاولة القمة معادلة السيادة السورية وضمان وحدة سورية، ستكون هي الأهمّ، كما صرّح معاون الرئيس الروسي، ولا بدّ أنّ أردوغان ومعاونيه قد قرأوا النص مرات عديدة قبل دخول القمة.