في الظاهر تبدو «إسرائيل» مَنْ بدأ التصعيد بحسابات تتصل بالسعي لفرض أمر واقع يحجز لها مقعداً في كلّ المفاوضات الدائرة حول مستقبل المنطقة، وتربط كلّ تسوية مقبلة لكلّ من ملفاتها بضمانات عدم تعرّض مصالح «إسرائيل» وأمنها لخطر، فتبعهم الأميركيون وسطاء منعاً للتصعيد، وتحقيقاً للهدف المشترك وهو ربط الحلول بالتفاوض، الذي تريده «إسرائيل» وتريده أميركا مثلها. فالتفاوض لتمييع الحقوق وفرض الحضور «الإسرائيلي»، يضمنان مصالح أميركا، خصوصاً عندما يحجزان لها مقعد راعي التفاوض في زمن ما بعد إعلان القدس عاصمة لـ«إسرائيل»، فتأتي لتقول للعرب من بوابة صقورهم اللبنانيين، الذين صدحوا في المؤتمرات العربية والإسلامية عن سقوط واشنطن كوسيط نزيه، وخروجهم من صفة الراعي المقبول للمفاوضات، لا غنى لكم عن الرعاية الأميركية وعن المفاوضات .

هذا الظاهر كله صحيح، ويؤكده ما يجري في سورية من تزامن في التصعيد الأميركي و«الإسرائيلي»، والذي يفتح ملفات مختلفة العناوين عن تلك التي يفتحها التصعيد «الإسرائيلي» في لبنان، وفي الحالتين تطلّ واشنطن لتؤكد كما تل أبيب وجودها وحضورها، وكلّ منهما تعلم استحالة فرض حال الفوضى في سورية كخيار بديل لقيامة الدولة السورية، وهو ما بشرت به وثيقة الخمسة التي قادتها واشنطن ووقعتها فرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، بعروض تقاسم سورية مع روسيا وإيران، وإغراء تركيا باللعب في منطقة الوسط لترسيم كانتون تابع لها، يؤيده الناتو ولو اضطرت واشنطن للتحفظ مراعاة للأكراد، الذين تتخذهم عنواناً لتقديم الحماية لداعش، وضرب وحدات موالية للدولة السورية، التي كان يحلم الأكراد بتدخّلها لحمايتهم في عفرين، بعدما تخلّت عنهم واشنطن. وهو تدخل صار مستحيلاً بعد شراكة القوات الكردية في المجزرة التي ارتكبها الأميركيون بحق القوات الشعبية المؤيّدة للدولة السورية.

تعرف واشنطن، كما تعرف تل أبيب استحالة تحمّل فاتورة المواجهة المفتوحة لفرض أجندة مخالفة لتطلعات القوى التي تتمثل في محور المقاومة، ومن ورائها روسيا. وتعرفان في المقابل استحالة التفرّج على الوضع ينفلت زمامه من بين أيديهما، والزمن يتقادم لصالح تنامي مصادر قوة محور المقاومة وتقدّم مشروع الدولة السورية في جغرافيتها المستعادة قطعة قطعة. وتعلمان أنّ موعد الرقة وسواها شرق الفرات لن يكون بعيداً عن موعد ما بعد إدلب، كما لم يكن موعد إدلب بعيداً عما بعد البوكمال، ولم تنفع لا التهديدات الأميركية ولا التركية بمنع هذا المسار ولن تنفع، وكما لم يجرؤ الأتراك على دخول مباشر في حرب إدلب لن يجرؤ الأميركيون دخول حرب الرقة عندما تدقّ ساعتها.

تشهد واشنطن وتل أبيب تقدّم روسيا كقوة راعية للدولة السورية وتقدّمها العسكري من جهة، وقوة راعية لمسار سياسي يبدو وحده واقعياً وتزداد حظوظه مع كلّ تقدّم عسكري تحققه الدولة السورية وحلفاؤها، لكنها تشهد بالتوازي تقدّم روسيا كراعٍ لعملية إعادة الإعمار في سورية بإدارة الظهر لتهديدات واشنطن وعواصم الغرب باسترهان تمويل الإعمار بقبول دفتر شروطهم السياسي، ويبدو ملف النفظ والغاز في ساحل البحر الأبيض المتوسط، سواء في لبنان أو في سورية، وإذا كان الدخول على خط النفط والغاز في سورية يتمّ من السيطرة على منطقة شرق الفرات المليئة بالثروات النفطية وبالغاز والمعادن، فإنه يستدعي التحرش «الإسرائيلي» في لبنان لتبرير وساطة جاهزة، يمهّد لها الخبير بلبنان من موقعه كصديق لـ«إسرائيل» وسفير سابق في لبنان و«إسرائيل»، دايفيد ساترفيلد، ليبرمج حصادها، الخبير في شؤون النفط والغاز والمؤتمن على مصالح الشركات الأميركية في هذا القطاع، من موقعه كوزير للخارجية، خصوصاً بعدما تفلّت الأوروبيون كما تفلتوا نحو إيران منفردين بلا إقامة اعتبار للتحفظ الأميركي، فتشاركوا في حقول النفط والغاز في لبنان، عبر شركتين فرنسية وإيطالية مع روسيا كراعٍ للتحالف الذي يوقع اليوم على عقود الاستثمار.

– جولات التصعيد لها الكثير من الوظائف السياسية والأمنية، لكن التحضير لزمن التسويات يستدعي تجميد الملفات الاقتصادية الكبرى لحين جهوز الأميركيين لنيل حصتهم منها، سواء في إعادة إعمار سورية أو استثمار لبنان وسورية لثروات النفط والغاز، والتسوية المعروضة ستتضمّن تجميد ما تبقى من بلوكات لسنوات، خصوصاً الجنوبية منها، وعلى لبنان الاستعداد. وهناك مَن يقول لماذا لا يفرض لبنان أمراً واقعاً مشابهاً اقتصادياً ولو من باب المقايضة، بالإعلان عن إقامة سدّ مائي على نبع الوزاني، ولا يمانع بوساطة أميركية لتحديد نسبة تقاسم المياه، فيحقق توازن ردع من نوع آخر يتيح التملّص من التهديدات «الإسرائيلية» والعروض الأميركية المفخّخة؟