Get Adobe Flash player

إيران أولاً وروسيا أولاً، كما لبنان أولاً وسورية أولاً، والأردن أولاً ومصر أولاً من قبلهما، عناوين حركة سياسية شعبية معارضة لكلّ مواجهة مع مشروع الهيمنة الأميركية وأدواتها، بداعي الأولوية للقضايا المحلية، وتوصيف كلّ مواجهة للهيمنة الخارجية تفريطاً بمقدّرات الوطن لخدمة مصالح جهات خارجية، فكامب ديفيد لا يعود تفريطاً بالسيادة المصرية ولا وادي عربة يصير بيعاً للمقدّسات وتكريساً لشرعية احتلالها، لماذا؟ لأنّ مصر أولاً والأردن أولاً، وفلسطين مكوّن خارجي، والقوة «الإسرائيلية» ليست تهديداً، وأميركا هي الضمانة. وهكذا أيضاً يصير صمود المقاومة في لبنان وصمود الدولة السورية في حرب تموز 2006 خدمة لمصالح خارجية، فـ»إسرائيل» ليست تهديداً، ومشكلتها مع إيران وليست معنا، ويصير قتال حزب الله للإرهاب، كما تحالف سورية مع حزب الله وإيران، والتزامهما بخيار المقاومة ودعمهما للقضية الفلسطينية، التزاماً بسياسات إيرانية، كأنّ فلسطين إيرانية وليست عربية، وكأنّ «إسرائيل» تحتلّ أراضي إيرانية ولا تحتل أراضي لبنانية وسورية، وكأنّ التهديد «الإسرائيلي» يقع على حدود إيران وليس على حدود لبنان وسورية. أما في إيران فيصير منطق جماعة إيران أولاً أنّ دعم المقاومة في لبنان وفلسطين ومساندة سورية، تفريط بثروات الشعب الإيراني، وتوتير للعلاقات مع السعودية و»إسرائيل» وأميركا، الذين لا مشكلة لديهم مع إيران، بل مشاكلهم مع سورية وفلسطين وحزب الله، فلماذا تتورّط إيران؟ بينما يصير في المقابل التدخل الأميركي و»الإسرائيلي» والسعودي خارج الحدود مستساغاً، بتسليم ضمني باعتبارها قوى كبرى، يجب الإذعان لها، ولتدخلاتها، وشرعنتها. وكما هذا هو منطق قوى الرابع عشر من آذار في لبنان، هو منطق موجود ويحظى بنسبة تقارب ربع وثلث الرأي العام في إيران وفي روسيا أيضاً، وتتبنّاه قوى لا تُخفي علاقاتها بالخارج، وتنتظر التوقيت المناسب لتطلّ برأسها. وهو منطق موجود في الظلّ في سورية ويستعدّ أيضاً ليطلّ برأسه .

التوقيت مرهون بأمرين، الأول قضية قابلة للتفجير في الشارع سياسية أو مطلبية، والثاني جهوزية حلف واشنطن للتمويل والاحتضان والتبنّي وتقديم الدعم. ومثلما حدث هذا عام 2009 في إيران تحت عنوان الانتخابات الرئاسية، وقد يحدث مثله في روسيا تحت العنوان ذاته في الربيع المقبل، يحدث الآن في إيران من بوابة مناهضة قرارات حكومية تقشفية، والتهاون مع مصير المتضرّرين من إقفال مؤسّسات مصرفية مزيّفة، ويحدث لأنّ في أميركا وفي الرياض وفي تل أبيب مَن قرّر الاستثمار على آخر أوراق الأمل لفرض وقائع جديدة وتوازنات جديدة، وتوجيه رسائل تضعف ساحة المواجهة الرئيسة التي تشكلها فلسطين، تقول للمنتفضين هناك، إذا كانت آمالكم على انتصارات سورية وحزب الله ومن ورائهما إيران وروسيا فانظروا ماذا يحدث هناك. كما كان التحضير لفتنة استقالة الرئيس سعد الحريري بوجه المقاومة، منتظراً منه أن يقول، وكما كان منتظراً من نجاح انقلاب الرئيس اليمني السابق الراحل علي عبدالله صالح، ومن انفصال كردستان لو قيّض لهما النجاح، وكلها كان مرسوماً لها أن تكون حلقات تتساند وصولاً لأحداث إيران على خلفية فتنة في لبنان، وانقلاب في صنعاء، وانتصار الانفصال في كردستان، لكن إسقاط حلقات السلسلة أسقط الرهان على خط اتصال جغرافي مع الحدود الإيرانية من كردستان العراق لإمداد مباشر سعودي إسرائيلي أميركي.

بعد خبرة الشعب الإيراني مع منتجات الربيع العربي ومخاطر الفوضى، والعبرة التي تعلّمتها كلّ الشعوب للحذر من مغريات الحديث عن الثورة والتغيير، والتمسك بالحراك السلمي المدروس لمعالجة الشؤون المطلبية، وبعد خبرة إيران كدولة وقيادة وأجهزة من تجارب سورية والعراق واليمن، خصوصاً في أهمية تفكيك المطلبي عن السياسي، والسياسي الإصلاحي عن الأمني التخريبي. وبعد فشل الحلقات التي كان يفترض أن تؤسّس لمنح المواجهة في إيران بعداً مختلفاً، لا يبدو الوضع الإيراني مصدر قلق، حتى لو تواصلت المواجهات أياماً وأسابيع. فالاحتواء والتفكيك سيستلزمان بعض الوقت، وضرب المجموعات المسؤولة عن التخريب والمرتبطة بمشروع خارجي، من دون منحها فرصة جرّ فئات من الشعب وراءها، سيحتاجان بعض الوقت، خصوصاً في وسط العشائر العربية والكردية، حيث التغلغل للجماعات التابعة للسعودية وقيادة مسعود البرزاني، والكلام الأميركي عن نيّة تقديم الدعم والكلام الإسرائيلي عن الحاجة للدخول على الخط بأعمال أمنيّة، والتبنّي السعودي الخليجي المعلن، أسباب تمنح الشرعية للمواجهة.

– آخر الخرطوش الأميركي في جعبة فارغة أراد من وراء ترامب في اللوبيات الداعمة لـ«إسرائيل اختباره، وهم يسجّلون على إدارة باراك أوباما التخاذل لصرف النظر عن هذه المغامرات الفاشلة، منذ قرّرت التوقيع على التفاهم حول الملف النووي الإيراني، الذي عارضوه ولا يزالون. والغريب أنّ جماعة إيران أولاً يعارضونه أيضاً، كما يعارض بعض اللبنانيين انتصار الجيش والمقاومة في معارك الجرود مع الإرهاب، بداعي لبنان أولاً.