Get Adobe Flash player

سيطرة عبارة «الاستقالة نتيجة لإخلال حزب الله بشروط التسوية التي جاءت الحكومة كترجمة لها» وصارت لازمة مكرّرة تتبع خطاب مواكبة قرار إقالة الرئيس سعد الحريري، التي ستصبح لاحقاً استقالته وسيدافع عنها، ويدّعي أنها بكامل وعيه وقناعته وإرادته الحرة، وماذا عساه يفعل وقد رأى بأمّ العين ماذا جرى في ليل السبت الأسود في ضواحي القصور الفخمة في الرياض وما حولها، وبرجالاتها الذين لم يتخيّلهم يوماً إلا أصحاب جاه ومهابة ينحني أمامهم ويظهر لهم الولاء، وقد رآهم أذلاء يستجدون من سيد القصر الجديد السماح لهم بالبقاء على قيد الحياة ويتوسّلون رؤية أولادهم وتوديعهم قبل الذهاب إلى مكان الاعتقال .

ما يعنينا ليس ما سيقوله الحريري لاحقاً، وهو يعلم ومَن يخرجون كالمفوض السامي المعيّن وصياً على الولاية الشمالية المسماة لبنان، ثامر السبهان، يعلمون أن لا حاجة لكثير الكلام حول الإرادة الحرة للرئيس الحريري في قرار الاستقالة، ولا لجولة عروس يدوّرونه فيها على حكام المحور السعودي، مخفوراً، بين غرف متعددة في السجن الواحد، وطالما يساجلون وينفقون الجهد والوقت للردّ على اتهامهم بتقييد حريته، فهم يهتمّون لردّ هذا الاتهام عنهم، وردودهم وجولات التصوير الملتبسة للحريري تزيد الشكوك ولا تبدّدها، لسبب بسيط، يعلمه البسطاء، ويتساءلون، لماذا لا توفرون جهودكم ووقتكم، والطريق بسيط، أن يخرج الحريري من مطار بيروت وفي قاعة الشرف، أمام التلفزيونات اللبنانية والعربية والعالمية في مؤتمر صحافي على الهواء مباشرة ويعود بعدها حيث يشاء، يشرح مواقفه ويدافع عنها، ويبرّر انقلاب موقفه خلال ساعات من فرح بما يُنجز في لبنان إلى محبط من تسوية أخلّ بها الشركاء وأقفلت أمامه سبل الاستمرار حتى قرّر الاستقالة؟

قامت التسوية اللبنانية التي وصل العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية على ثنائية، قاعدتها الأولى رفع الحريري للفيتو الذي وضعه السعوديون على وصول العماد عون لرئاسة الجمهورية، مقابل رفع حزب الله للفيتو الذي وضعه هو على عودة الحريري لرئاسة الحكومة. وقاعدتها الثانية وصفها الرئيس الحريري بربط النزاع، وشرحها لمحازبيه ومنتقديه مراراً، بقيامها على قاعدة تقبّل كلّ من تيار المستقبل وحزب الله لتبني الآخر خيارات معاكسة لخياراته من القضايا الإقليمية، خصوصاً مما يجري في سورية، والتجاذب السعودي الإيراني، والموقف الأميركي السعودي من سلاح حزب الله، وارتضاء المساكنة تحت سقف حكومة موحّدة تهتمّ بحفظ الاستقرار وتسيير شؤون الدولة من دون توظيف الوضع الحكومي للضغط من أجل فرض رؤية أحد الطرفين على الحكومة وعلى الآخر.

خلال عشرة شهور مضت بدا أنّ التسوية صلبة ومتماسكة، رغم ما رافقها من تطورات نجح كلّ من حزب الله والحريري بتخطيها بأمان. فقد أعلنت واشنطن حرباً شعواء على التفاهم النووي مع إيران، ولم يقم حزب الله بأيّ توظيف لموقعه في لبنان لتوجيه رسائل تمكن إيران من تحسين وتحصين وضعها بوجه الحملة الأميركية. وفي المقابل أعلنت واشنطن حملة على حزب الله تطال مرات وجوده في سورية، ومرات سلاحه، وعموماً وجوده، وأطلقت حزمة عقوبات تريدها استئصالية لحزب الله، وصمدت التسوية، وصمد الحريري وصمد حزب الله، ولم يقم أيّ منهما بما يخلّ بالتسوية. وفي المقابل حافظ كلّ منهما على خطابه وتحالفاته وعلى حماية العمل الحكومي من التعثر، فولد قانون جديد للانتخابات النيابية وقانون الموازنة وقانون سلسلة الرتب والرواتب، وتحرّرت جرود السلسلة الشرقية من داعش والنصرة.

في الأشهر الثلاثة الأخيرة تصاعدت جملة مواقف سعودية عبّر عنها المفوض السامي للولاية السعودية الشمالية المسمّاة لبنان، ثامر السبهان، وصلت حدّ وصف حلفاء السعودية في لبنان، وعلى رأسهم الحريري، بالجبناء، وهدّدتهم ما لم يتصدّوا لحزب الله، وقال المفوض السامي حرفياً، إما أن تكونوا معنا أو مع حزب الله، وجوهر حملة المفوض السامي الذي تحدّى الهمس الصادر من بيت الوسط بأنّ مواقفه لا تعبّر عن الموقف السعودي الرسمي، بالقول، إنّ من يقولون ذلك لا يفهمون شيئاً وأغبياء، وجوهر كلام المفوض السامي، الدعوة للخروج من التسوية والإخلال بها، لسبب واحد، أنّ حزب الله لم يخلّ بالتزاماته في هذه التسوية وقد صارت عبئاً على السعودية، وإسقاطُها صار جزءاً من أدوات السعودية لاستعمال لبنان ساحة لحربها بوجه إيران، طالما أنّ حزب الله يحافظ على التسوية ولا يستعمل لبنان ساحة لحرب إيران مع السعودية.

ذهب الحريري لحلّ مشكلة تصريحات السبهان، فلم يعُد، بقي الحريري صامتاً، وصار يتحدث السبهان ويجيب على هاتفه، وجاءت الإقالة التي ستصير استقالة بصوت الحريري وصورته، ودفاعه عنها، لكن السؤال يبقى مَن الذي أخلّ بالتسوية؟

التسوية صمدت حتى تاريخ زيارة الحريري ليلة السبت السعودي الأسود، وانقطاع أخباره، لتسقط التسوية بصوت السبهان، وغياب الحريري عن السمع. وكما تقول «جيروزاليم بوست» في افتتاحيتها، إن الاستقالة نتيجة لـ «إدراك السعوديين أنهم فشلوا في محاولتهم التأثير على مسار السياسة اللبنانية من خلال رئيس الوزراء. في الواقع، وأنّ الضرر كان أكثر من المنفعة من الاستقرار السياسي الحالي. عند هذه النقطة، هزّ السياسة اللبنانية لديه فوائد أكثر للسعوديين».

– لكن من المهمّ أن يقرأ جماعة الاستقالة خاتمة المقال «الإسرائيلي» كي لا تتوه أذهانهم نحو توقعات تورّط «إسرائيل» في حرب لصالح السعودية، حيث يقول المقال الافتتاحي لـ «جيروزاليم بوست» في خاتمته، «مهما كانت أسباب توقيت الاستقالة، يجب على «إسرائيل» أن تحرص على أن لا تُجرّ إلى مواجهة عسكرية لا تخدم مصالحها. استقالة الحريري تشير إلى حقبة جديدة من عدم الاستقرار في الشمال».