Get Adobe Flash player

السؤال الرئيسي الذي تطرحه استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري بالمعنى السياسي هو تحديد طبيعة التغيير الذي أدخلته على الخريطة السياسية لموازين القوى والتحالفات والاتجاهات سواء في لبنان أو المنطقة. فهذا هو الرصد المطلوب لفهم أبعاد الاستقالة التي تساعد في فهم أسباب الاستقالة. ومن الطبيعي البدء بالجهة الرئيسية المستهدفة علناً بالاستقالة، بمعزل عن الجهة التي قرّرتها وصاغت بيانها، أكان الحريري نفسه، أو مَن أملاها عليه وقدّمه بتلاوته نصاً وروحاً بصورة مهينة له وللبنان. والواضح أنّ المستهدف الرئيسي، حزب الله، قد ظهر بشخص أمينه العام السيد حسن نصرالله، بصورة غير مستفزة، هادئاً، مرتاحاً لوضع الحزب وموقعه ودوره، وإمساكه بدفة المعادلات والجبهات التي يتولى إدارتها ويهتمّ لمستقبلها .

– «إسرائيل» وأميركا كجهتين معنيتين بدتا بصورة لا لبس فيها في موقع مَن لا يريد التورّط في البناء على الاستقالة لما هو أبعد من الاستثمار والتوظيف الإعلامي للحملة التي تستهدف حزب الله، وإطلاق رهانات لا تعبّر بالضرورة عن حسابات وخطة، بل عن تحريض وتوظيف، مضمونها الحديث عن مواجهة لبنانية لحزب الله، ما يعني أنّ الخريطة الفعلية للتوازنات بين قوى الجبهتين المتقابلتين في المنطقة، لم تتأثر بالاستقالة، حتى في إيران والسعودية، بل بقيت التعليقات والمواقف أقرب، في طهران للتحليل والتفسير والتوصيف، وأقرب في السعودية للتحريض والتوظيف، فلا مشاريع حروب ولا عواصف حزم.

لبنانياً بدا حلف الرابع عشر من آذار مقطوع الرأس، رغم الصراخ المبحوح المتصاعد من بعض الحناجر الهامشية، فتيار المستقبل في حال ذهول ومثله كتلة نوابه، وبيان الكتلة الشديد الحذر، أصفر الوجه شاحب أقرب للبكائية، وخطاب القوات اللبنانية ورئيسها يستشعر التخلّي السعودي عن لعب أوراق لبنانية شكلت خاتمته استقالة الحريري ويخشى تصديق نفسه في هذا التحليل، فيمعن بتقديم أوراق الاعتماد لمواصلة المواجهة، تماماً كما فعل السعوديون عشية توقيع الأميركيين للتفاهم حول الملف النووي مع إيران، وذهابه لحرب اليمن أملاً باستعادة زخم التحرك الأميركي بوجه إيران.

النائب وليد جنبلاط متريّث، لم يتضامن مع الحريري، ولا مع مضمون بيانه، مكتفياً بالقول إنّ لبنان لا يتحمّل المزيد من التأزّم، فاتحاً الباب بذلك لبحث عنوانه كيفية إغلاق الأبواب أمام رياح الأزمات، بينما مرشحو رئاسة الحكومة بدأوا ينشطون ويتقدّمون بالمبادرات ويستطلعون مواقف الكتل الوازنة، ويقرأون المواقف وحدود الخطوط الحمراء التي تسمح أو تقيّد أو تمنع ترشحهم كمشاريع مقبولة لرئاسة الحكومة، أما الشارع اللبناني فقلق من تداعيات الاستقالة بفتح الباب للقوى الإرهابية للعبث بالأمن ونشر المزيد من الفوضى، يطمئنه كثيراً ما قاله السيد نصرالله، ويطمئنه ما أعلنه مصرف لبنان عن عدم القلق على سعر صرف الدولار.

رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري هادئان يستعينان بالرئيس المصري للتأكد من أنّ الحريري يتمتع بحريته في السعودية، ويسعيان نحو تهدئة داخلية وتنفيس احتقان، وتصرّف دستوري يُبنى على التحقق من الإرادة الحرة للرئيس الحريري بالاستقالة، ومن بين الاحتمالات، التريّث بقبول الاستقالة حتى التحقق اللازم من قانونيتها ودستوريتها، ومن بعدها الذهاب لاستشارات تنتهي بتسمية رئيس جديد للحكومة بالتعاون مع النائب وليد جنبلاط، أو الذهاب للأخذ بمشروع الرئيس بري بتقديم موعد الانتخابات النيابية، لتتشكّل الحكومة الجديدة، وفقاً للتوازنات التي تنتجها الانتخابات.

يصير السؤال، طالما أنّ ما سينتج عما بعد الاستقالة، لا يجلب إلا الخسارة للحريري وفريقه وحلفائه، لماذا الاستقالة إذن؟

– الجواب في السعودية فقط وما يجري فيها، من توقيفات واعتقالات، وصولاً للتصفيات الجسدية في الأحداث الغامضة.