nasser

ناصر قنديل

– فيما يجري الحديث كثيراً عن المناطق الآمنة جنوب سورية وشمالها، تبدو هذه المناطق أشبه بـ»خيال الصحراء» الذي يقيمه المزارعون لإلهاء الوحوش عن مزروعاتهم، وهي هيكل خشبي يلبسونه ثياب رجل، بينما البحث جارٍ جدياً، لعملية عسكرية «إسرائيلية» جنوب سورية تستهدف مواقع حزب الله لإبعاده مسافة ستين كليومتراً عن خط فصل القوات في الجولان، بضربات مكثفة وعمليات كوماندوس تستمرّ أياماً معدودة، تتيح، مع ما سيترتّب عليها من اشتعال لجبهات القتال، تتمنّى «إسرائيل» أن يكون محدوداً، تدخّلاً دولياً عاجلاً يُعيد العمل باتفاق فصل القوات الموقّع عام 1974 والمعمول به على جبهة الجولان، حتى قامت «إسرائيل» بخرقه دعماً للجماعات المسلحة وانفتاحاً عليها، وما ترتّب على ذلك من إعلان سورية اعتبارها الاتفاق ساقطاً وفتح الجبهة لقوى المقاومة.

– بالتوازي مع السيناريو الجنوبي، ثمّة سيناريو شمالي يستعدّ له الجيش التركي بصورة لم تلق الضوء الأخضر الأميركي بعد، يقوم على تدخّل تركي واسع في شريط انتشار الجماعات الكردية المسلحة والسيطرة على مواقعها وإنهاء تواجدها، والإعلان بعدها عن جهوزية الجيش التركي للمشاركة في الحرب على داعش انطلاقاً من شمال الرقة وشمال حلب وشمال الحسكة، ويجري الأتراك تواصلاً مستمراً مع الأميركيين لتخفيف درجة التحفظ الأميركية من اعتبار الجماعات الكرديّة جزءاً من منظومة العمل الأميركي في المنطقة تحظى بالحماية الكاملة إلى قدر من الحياد والاستعداد لغضّ النظر عن العملية، التي تحتاج بنظر الأتراك لأسابيع محدودة، وتحقّق أهدافها الكبرى خلال أيّام، وفقاً للحسابات التركية العسكرية إذا وقف الأميركيون، الذين يتداخل انتشارهم مع الأكراد، على الحياد.

– مقابل السيناريو الافتراضي «الإسرائيلي» الهادف لإمساك جبهة الجنوب السوري وتأمينها، استعداداً لمرحلة ما بعد التفاوض الدولي الإقليمي حول مستقبل سورية، وإسهاماً بتعديل توازن القوى داخل سورية عبر توجيه ضربة مؤلمة لحزب الله تفتح باب التفاوض على إخراجه من سورية ضمن الشروط الأميركيّة على روسيا للتعاون في الحرب على الإرهاب، يقلق «الإسرائيليون» من أن يكون ما قاله الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير عن قواعد الردع التي تطال مستودعات الأمونيا ومفاعل ديمونا رداً ضمنياً على هذا السيناريو، بعدما ظهر لحزب الله أن إسرائيل تستعدّ لعمل ما، وفي ظل ما يعرفه «الإسرائيليون» عن درجة التوغل الاستخباري لحزب الله في المؤسسة «الإسرائيلية»، ويقرأون الخطاب بتمعّن، لمعرفة كيف سيتمكن حزب الله من عدم إشعال جبهة لبنان لتنفيذ تهديدات نصرالله، وهل بات يملك قدرة قصف صاروخي ثقيل من خارج لبنان، أو الأرجح من مناطق حدودية لبنانية سورية غامضة وتبقى مبهَمة، تفسّر غارات «إسرائيلية» متكرّرة عليها، من دون الإفصاح عن نقاط إطلاق صواريخه وتوريط لبنان في المواجهة، إلا عندما تصاب «إسرائيل» بالأذى لحدّ يجبرها أن تفتح الجبهة اللبنانية وتطال أهدافاً داخل لبنان، فتطلق يديه ليرمي فائض قوته في الحرب، وتكون قد وقعت في الفخ مرتّين.

– يتساءل «الإسرائيليون» ربطاً بخطابات سابقة لنصرالله كلامه الأخير بكلامه السابق، عن زوال مرحلة التدرّج في استهداف العمق «الإسرائيلي»، وفقاً لمعادلة «حيفا وما بعد حيفا وما بعد ما بعد حيفا» واحتمال الذهاب مباشرة للأهداف الأهمّ والأبعد والأشدّ أذى، وربّما خلال اليوم الأول للحرب، كذلك كلام نصرالله عن الحرب البريّة وتحذيره من أن حزب الله قد يكون هو المبادر إليها في الحرب المقبلة، عندما تفتح جبهة لبنان، ليصير القلق «الإسرائيلي» من سيناريو فتحهم للحرب جنوب سورية وتلقيهم عدداً محدوداً، لكنه فاعل من الصواريخ الثقيلة في عمق العمق المؤذي من اليوم الأول ومن مكان غامض، فيضطر «الإسرائيليون» لفتح جبهة لبنان لتكون بداية نقلة نوعية يستخدم فيها حزب الله وحدات النخبة للتوغل البري في عمق الجليل أو الجولان، وعندها تدخل «إسرائيل» تعقيدات أكبر من حجم ما خططت له، وربما يصير صعباً عليها إنهاء الحرب من دون خسائر جسيمة، ومن دون تجرّع كأس الهزيمة، وفقدان السيطرة على المسارات إذا نجحت محاولات حزب الله بإصابة أهداف استراتيجية في العمق أو نجح مقاتلوه بالتوغل البري، فمن يضع حداً للمخاطر ومَن يسحب الذين دخلوا أراضي هي بنظرهم محتلة؟

– في شمال سورية تحضر مقابل السيناريو التركي مخاوف لا تقلّ عن المخاوف «الإسرائيلية»، أولها ما يصل للأتراك من تمسّك أميركي بالعلاقة مع الجماعات الكردية والقيام بتوفير المزيد من السلاح لها، وصولاً لما أعلنه الأميركيون من تقديم صواريخ مضادة للطائرات لجماعات معارضة، يعلمون أن المقصود بها الجماعات الكردية وقوات سورية الديمقراطية التي يقودونها، وأن خطر مواجهتهم للطائرات لا يتأتّى من داعش ولا من الجيش السوري بل من الجيش التركي، وثاني مصادر القلق التركي ما بدا من حركة استراتيجية ذكيّة للجيش السوري بترك الأتراك يدخلون شمال مدينة الباب ويدفعون فاتورة عالية في مواجهة داعش، ويتورّطون في تحمل تبعات إعلان الحرب على التنظيم الذي ترعرع في أحضانهم ليصير عمق تركيا هدفاً له، وعندها قام الجيش السوري بالالتفاف من جنوب الباب صعوداً إلى الشمال الشرقي وصولاً لملاقاة خط التماس مع قوات سورية الديمقراطية والجماعات الكردية ما بعد تادف، بحيث صار التقدّم التركي نحو منبج فالرقة محكوماً بالتصادم مع الجيش السوري، والخوف التركيّ من مزيد من التداخل بين الجيش السوري والأكراد يجعل العملية المنشودة مشروع حرب مع الجيش السوري لا يقدرون على تحمّل تبعاتها، ولن تسمح بها موسكو، بينما واشنطن لا تزال ترفض التهاون مع العملية.

– يقول بعض المتابعين إن الكلام «الإسرائيلي» عن وصول صواريخ ياخونت الروسية المستخدمة لإصابات دقيقة لأهداف بحرية وبرية والمتطوّرة والمتفوّقة، إلى يد حزب الله، هو بمثابة الإعلان عن صرف النظر عن العملية التي ستتحول حرباً لا قدرة على تحمّل تبعاتها، وأن يكون الكلام التركي عن الحرص على التعاون مع الأميركيين والروس في عملياتهم العسكرية نوعاً من الجواب على تحذيرات أميركية وروسية من ارتكاب حماقة، لكن لا حزب الله والمقاومة ولا الجيش السوري ولا الأكراد يستطيعون التوقف عن التفكير والاستعداد لمواجهة الاحتمالات كلها، بعيداً عن التحليلات ومدى دقتها. فالجيوش تعيش باليقظة لأسوأ الاحتمالات لا بالنوم على حرير أفضل التحليلات.

(البناء)