Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

– الحكومة السورية مرتاحة لوضعها التفاوضي، رغم رغبتها العميقة بتقدم العملية السياسية، والتوصل لفهامات توقف الحرب والنزف وتطلق مساراً يحتكم لإرادة الشعب السوري في تحديد شكل نظام الحكم والدستور ومن يشغل المناصب فيهما، لكن الواقع يقول إن القوى التي أطلقت قرار الحرب على سورية، لم تعد تملك قرار إيقافها، فمن جلب تنظيم القاعدة لو أراد غداً إخراج من أدخلهم فهو لا يملك القدرة، ومن شجّع وموّل وسلّح داعش ومنحه نقاط الانطلاق ولو اكتوى اليوم بنيران التنظيم، فلم يعد يملك مفاتيحه، فثمة حرب في سورية ستستمر وتفرعت من الحرب التي أشعلت أصلاً، هي الحرب على الإرهاب وتطلع سورية هو لتشارك الذين أشعلوا الحرب عليها معها في هذه الحرب الأشد خطورة عندما يسلّمون بفشل حربهم وخطورة تلكئهم في خوض الحرب الجديدة الناشئة عليهم.

– لا أوهام لدى القيادة السورية في النظر لما يحيط بالحربين، الأصلية والمتفرعة بعدما صارت هي الكبرى وباتت الحرب الأولى حربها الصغرى. وقد كانت معركة حلب آخر معاركها الكبرى، فالحرب الكبرى على داعش والنصرة لا تستقيم بلا إقفال الحدود ووقف تدفق السلاح والمال والرجال والتعاون الاستخباري على قاعدة التسليم بالسيادة السورية والدور المحوري للجيش السوري في الفوز بهذه الحرب. وهذا يستدعي انتقال الذين أشعلوا الحرب الأصلية وصارت حرب سورية الصغرى تخوضها دول العالم والإقليم الكبرى بفصائل لا تملك قدرة إشعال حرب، بل قدرة تزخيم سياسي بعنوانها كمعارضة لأحد فريقي الحرب الكبرى بالتموضع الواضح في ضفة داعش والنصرة أو ضفة الجيش السوري. ولا مشكلة لدى القيادة السورية بأي خيار يتّخذه هؤلاء وإلى أي ضفة ينضمّون، فالمهم هو الانتهاء من التلاعب بعنوان المعارضة لتقديم الدعم للإرهاب.

– مسار أستانة كان مكرساً لهذه المهمة، فصل المعارضة عن الإرهاب ولم يحقق أهدافه، عندما انقلب التركي على تعهداته لينتظر على تقاطع الطرق ما سيكون بينه وبين الأميركيين بصدد مصير الشريط الكردي الحدودي وطلب استرداده الداعية فتح الله غولن، وسار خطوات إلى الوراء بعد اندفاعته الأولى المبنية على ظنه بتطبيق سريع لأجندة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بالتعاون مع موسكو في الحرب على داعش، ولما تبيّن ضعف ترامب في السير بخطى حثيثة بوعوده أمام ممانعة المؤسسة الأميركية، تموضع الأتراك ومعهم فصائلهم التي أخذوها إلى أستانة عند السعودية، من دون أن ينقلبوا على العلاقة بروسيا لأنها مخاطرة تتخطّى قدراتهم، مكتفين بفتح النار على إيران وحزب الله وسورية بلغة لم يعتمدوها من قبل أملاً بنيل الرضا السعودي و«الإسرائيلي» وخصوصاً الأميركي، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

– تجميد مسار أستانة يعني فشلاً مؤكّداً لمسار جنيف، فالدولة السورية لن تفتح باب النقاش حول دستور جديد، وسواه من بنود التفاوض السياسي قبل وضوح الصورة حول مدى جدية تموضع الفريق المقابل وانتقاله الفعلي إلى ضفة الحرب على الإرهاب وتطبيق مقررات أستانة، لجهة التسليم بأن لا أولوية تتقدم أولوية الحرب على الإرهاب وتقديم ما يلزم لإثبات هذا الخيار، وكل ما يحيط بفريق الرياض الآتي إلى جنيف لا يشير إلى شيء من هذا القبيل.

– يكفي لجنيف أن يشكل محطة لكسر احتكار جماعة الرياض لملء مقعد المعارضةـ بانتظار أن تتاح للحلقات المقبلة من مسلسلَي أستانة وجنيف على إيقاع حلقات مقبلة من حسم الميدان… الانتقال إلى السياسة.

(البناء)