nasser

ناصر قنديل

- يتخيّل الكثيرون عند قراءة مصطلح الحرب الناعمة أنّ المقصود هو حرب حضارية راقية لا تُراق فيها الدماء، تتبارى فيها العقول كلعبة شطرنج ينتصر فيها القائد الأشدّ حنكة وذكاء، فتستسلم جيوشه كما كان يحسم الرومان حروباً كثيرة بمباراة يتطوّع لها قادة الجيوش في منازلة حتى الموت، تنتهي باستسلام الجيش الذي يخسر قائده قتيلاً، وصارت تسمّى حروب النبلاء، لتجنيبها الجيوش والبلاد حروب خراب ودمار وموت بعشرات الآلاف بينما يقول واقع الحرب الناعمة إنها الحرب الأشدّ قذارة ووحشية، والأقلّ انضباطاً بأخلاقيات الحروب التي كتبت مواثيق وشُرَعاً وصارت معاهدات دولية عنوانها تجنيب المدنيين الخراب والجوع والموت، هكذا فالحرب الناعمة هي الحرب على المدنيين بالتخصيص، تقتلهم وتشوّه عقولهم، وتعبث بمشاعرهم وخياراتهم. هي حرب يُقتل فيها الناس بلا رحمة، وبلا سبب ويصحّ فيها القتل للقتل، حرب يستخدم فيها قتل الأطفال وأكل أكباد الكبار والصغار وطحن العظام، وسحل الجثث طالما ذلك ينتج رعباً ويحقق اصطفافات، ويبدّل توازنات وخيارات، تتيح استباحة الشعوب وأخذها إلى مشاريع تعاكس مواقعها الطبيعية بقوة الخوف والذعر والرعب، أو تحت تأثير الدعاية والترويج لمفاهيم وسيناريوات جرى تأليفها وإخراجها بدقة وحرفة لتقديم رواية أخرى عن الحقيقة. وهي حرب يُغتال فيها القادة، وتدار فيها الفتن بين العائلات والطوائف والأديان والعشائر. حرب تشجع فيها تجارة الموت على ضفاف الحروب التقليدية، ليتقابل على الضفتين تجار حروب لا يريدون لها أن تنتهي، وقد صاروا بلا قضية إلا أن تستمر الحرب كمورد للسلطة والمال. حرب يشجع فيها الفساد وتسوَّق فيها الخيانة ويصيران فعل شطارة ينال التمجيد، مقابل توصيف الوفاء والإخلاص والانتماء لقضية وعقيدة بالسذاجة وانعدام الخبرة وضعف القدرة على فهم عمق الأشياء وخلفياتها وتصديق خرافات وقضايا صارت توصف بالأفكار الخشبية، القدرة على جعل الرذيلة فضيلة والفضيلة رذيلة، وجعل الموت مجانياً وعبثاً وترفاً، هي ببساطة أهداف الحرب الناعمة.

- تذهب واشنطن إلى هذه الحرب بكلّ قدراتها، وتجعلها مساراً حاكماً لتعاملها مع قوى ودول وشعوب محور المقاومة، تخضع له ولحساباته المسارات الأخرى الموازية التي تخوض غمارها واشنطن العاقلة، حيث للسياسة والدبلوماسية والحسابات الباردة مكان، وحيث للتسويات فرص، وحيث تقاس موازين القوى بما تثبّت القادة من العجز عن فعله، وبما يعرفون أنّ العدو الذي يقاتلونه قادر على فعله، وتشتغل السياسة على المسافة الفاصلة بينهما لتفادي انفضاح العجز عن الفعل وتفادي إقدام العدو على الفعل، لكن واشنطن العاقلة تشتغل لحساب واشنطن التي يحكمها ويديرها الشيطان المجتهد لخوض حرب بلا هوادة تعوّض العجز عن المواجهة المباشرة، يسمّيها الحرب الناعمة، فيعلّق مسارات التسويات والتفاهمات دون أن يسقطها، ويناور في استنهاض القوى التي يستعدّ لمقاتلتها وفقاً لمسارات التسويات مؤجلاً ساعة المنازلة معها لتؤدّي رقصتها الأخيرة في استنزاف مَن سيضطر لمحالفتهم في حربه المقبلة، وهكذا مثلاً تستعدّ واشنطن لحرب على «داعش» وتدرك حاجتها إلى تحالف يجمعها مع روسيا وسورية وحلفائهما فيها، لكنها تستأخرها طالما لـ«داعش» ما يؤدّيه في الحرب على محور المقاومة كله، فالحرب الناعمة هي الاستراتيجية، والتسويات والحروب الأخرى تكتيكات، وليس مهماً أن يفجّر «داعش» بين حربين في أوروبا عشرات المرات، ويقتل المئات ويطيح اقتصاداتها، ويُضعف هيكلية دولها، طالما تؤدّي حروب «داعش» الوظيفة التي يُراد لها أن تؤدّيها في فلسفة الحرب الناعمة.

- تستفيد واشنطن من استخدام مَن تصنّفهم بالإرهاب وترتضي اعتبارهم أهدافاً لحروب مقبلة تتفاوض مع قوى محور المقاومة على شروط خوضها معاً، وهي مَن جلبتهم وهيأت لهم أسباب التمدّد والتجذر والقوة، لأنّ إدارة الحروب صارت صنعة واشنطن وليست صنعتها كما كانت من قبل خوض هذه الحروب، فهذا زمن مضى. وصارت واشنطن التي شاخت فصارت كما يصير حال رجالات المافيا المتقاعدين إدارة مناطق الحرام بين العصابات والشرطة وإدارة حروبهما، وتنطلق واحدة من قواعد هذه الإدارة باستفزاز رجال القانون ليلعبوا لعبة المافيا فيسقطون، ويسهل التعامل معهم على هذا الأساس، وأمام الدم المسال ترتفع الصرخات والنداءات اقتلوهم بلا رحمة، ماذا تنتظرون، مذكرة تفتيش وأوراق النيابة العامة ورفاقنا يتساقطون كالبعوض، فإنْ حدث ذلك ربح قادة اللعبة شوطهم وتيسّرت مهمتهم. وهذا ما تدرك واشنطن أنّ قوى محور المقاومة تعيش تحت وطأته أمام ضغط شارعها النازف دماً، لضرب بلا رحمة، وردّ مزلزل، ولو خالف القواعد والأصول وحتى المنطلقات والهوية الإنسانية والأخلاقية، فأمام مشهد الدم الحارّ وبخار الأرواح المتصاعدة لا يحضر إلا الثأر والسؤال إلى متى؟ وماذا ننتظر؟ ونحن نعلم مَن يقف وراء هؤلاء، وما نفع صواريخنا التي تطال عواصم المنطقة ننتظرها كي تصدأ بدلاً من أن تتوجّه نحو هذه العواصم التي تصنع فيها العبوات وتصنّع فيها المؤامرات وتموّل منها العمليات ويدرّب فيها القتلة وتنظّم صفوفهم؟ وإنْ حدث هذا فسيكون المقتل الذي تنتظره واشنطن لتدير حرباً من نوع جديد، حرب بين إرهابيين وقتلة، تستهدف شعوباً ومدنيين، يختلط فيها الجميع كمتساوين في القتل، ومتساوين في فقدان القضية، وتتيقن عندها من أنّ الحرب الناعمة حققت غرضها، لأنه فقط في مثل هذه الحالة يكون تجار الحروب قد انتصروا في انتزاع دفة القرار على الضفتين، وتصير مهمتها أسهل وأرباحها أكثر وينفتح السوق على الصفقات التي لا حدّ لها ولا نهاية، ويموت قادة الأخلاق والقيم والقضايا الكبرى والسامية، أو يموت تأثيرهم وتستخدم الدماء النازفة لإضعاف قبضاتهم عن سيوف القرار وتركها تنزلق لأصحاب العصبيات والذين تحركهم الأعصاب والعصبية.

- الإمعان في قسوة ووحشية الحرب الناعمة التي تستهدف الجبهة الداخلية السورية، وقد استهدفت قادة المقاومة، ونزفت دماء مصطفى بدر الدين قبل أسبوع فيها ودماء العشرات من مواطني الساحل السوري أمس بسببها، يضع على قادة محور المقاومة، خصوصاً في سورية وحزب الله أعباء ثقيلة، أهمّها وأخطرها الثبات والقدرة على تخطي موجات الأعصاب والعصبيات في الردّ، والتحلي بالحكمة والروية والقدرة على الإمساك بالعقول والقلوب لحجب الانجذاب نحو خطاب شعبوي يُراد له أن يصير بديلاً عن خطاب الحرب، فواشنطن تلجأ لحربها الناعمة لأنها عاجزة عن خوض المواجهة المباشرة في الحرب التي يفرضها الميدان، ومثلها يعجز حلفاؤها وتعجز جماعاتها بلا استثناء. وقد قالت هذا حروب القصيْر وتدمر وبينهما شرق وجنوب حلب، والردّ الموجع لواشنطن وحلفائها وجماعاتها هو استقدام لا استئخار ساعة هذه الحرب التي لا يملكون فيها مجتمعين قدرة المواجهة وثبات الميدان، الردّ الذي تستحقه الدماء البريئة الحارة التي سكبت أمس، على مذبح الكرامة والحرية في سورية وقبلها دماء الشهيد القائد مصطفى بدر الدين، ليست عمليات في أنقرة ولا في اسطنبول ولا في الرياض ولا قتلاً بقتل، بل هي حرب تحرير حلب وبلدات وقرى أريافها، التي تضع تركيا والسعودية ومن ورائهما واشنطن بين خياري الحرب المباشرة والاعتراف بالهزيمة، بعدما تكون قد أزيلت من الوسط الستارة الوهمية التي تشكلت من المتاريس البشرية المستقدمة كالنفايات السامة لتدفن في الأرض السورية ويلزم مستقدموها وفقاً للقوانين والأعراف بترحيلها على عاتقهم ودفع كلفة الترحيل.

- الردّ على الحرب الناعمة هو العودة إلى الحرب الخشنة التي ينتظرها الميدان بفارغ الصبر.

(البناء)